أحمد سالم
ليس بإمكانك أن تصلح فسادًا تمكن منك، إلا إذا علمت بوجوده فيك، ومن أين أتى إليك، وكيف تمكن منك.
ومن مأثور صحابة رسول الله: إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير.
هذا الوعي هو هبة إلهية أرسلها الله إليك لتعينك على الاختيار، اختيار ألا تكون هذا الشخص الذي أنت عليه.
لا يمكنك أن تخرج من الكهف إلا إذا عبرت دهاليزه المظلمة.
مقتطفات أخرى
عن الأصمعي؛ قال: سمعت المفضل الضبي يقول: قال همام بن مرة الشيباني وكان من حكماء العرب : ما فجر(زنى) غيور قط؛ يقول: إن الغيور هو الذي يغار على كل أنثى.
قلت: يغار من أذاه هو قبل كل أذى، تنبه لهذا جيدًا.
وأنت إذا عقلت هذا تكون قد عقلت معه معايير الرجولة العربية كلها، وبها تعلم أن الذكورية الشرقية الحالية ذكورية ممسوخة نفخ فيها جهلة لا رباهم دين الإسلام ولا أدبتهم مروءة الجاهلية.
عن ابن عباس رضي الله عنه: ((أن ضمادًا، قدم مكة وكان من أزد شنوءة، وكان يرقي من هذه الريح، فسمع سفهاء من أهل مكة، يقولون: إن محمدا مجنون، فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي، قال فلقيه، فقال: يا محمد إني أرقي من هذه الريح، وإن الله يشفي على يدي من شاء، فهل لك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أما بعد» قال: فقال: أعد عليّ كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثلاث مرات، قال: فقال: لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن ناعوس البحر، قال: فقال: هات يدك أبايعك على الإسلام، قال: فبايعه)).
وفي هذا الحديث دلالة على أصل عظيم من أصول الاستدلال، أن الحجة تكون صحيحة في نفسها، ولكنها لا تقع منك موقعًا إلا بحسب ما معك من العلم والفقه؛ فيفوت الرجل من الاهتداء بالدليل بقدر نقص علمه وفقهه وعقله؛ لذلك اهتدى هذا الرجل بتلك الكلمات القلائل؛ لأجل ما معه من العلم الذي هداه لفرق ما بينها وبين كلام الناس، بينما لا يهتدي آخرون بما هو أظهر من الحجج؛ لأجل نقص علمهم وفقههم.
عدم اقتناعك ليس دليلاً على وهاء الحجة، بل أحيانًا كثيرًا يكون لعدم استواء علمك وفقهك إلى الدرجة التي تؤهلك للبصر بالحجج!
فهذه الكلمات التي أسمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم ضمادًا= نسمعها جميعًا، لكنها لا تقع منا نفس الموقع الذي وقعته من ضماد، حيث أبانت له هذه الكلمات أن صاحبها لا يستمد معارفه من البشر، وإنما يوحي إليه الله.
وسبب الفرق بيننا وبين ضماد: هو ما لديه من المعرفة بالكلام المتداول على ألسنة الناس، وهي المعرفة التي وزن بها كلمات النبي صلى الله عليه وسلم، وهي الموازنة التي أنتجت أن هذا الرجل لا يُعلمه رجل، وإنما هو نبي يوحى إليه.
ومن هنا تعلم: أن صلاحية القرآن لإقامة الحجة على المصدر الإلهي لهذه الرسالة وهذا الدين= هي صلاحية ثابتة في نفسها، ولكن انتفاعك بها مرتبط بما في نفسك من المعرفة والعلم، ولعله لأجل ذلك يكثر في ديننا الحث على العلم والتعلم وعلى رفع المستويات المعرفية للناس.