أحمد سالم

أحمد سالم

لا يعيب الإنسان أبدًا ولا ينقص من رجولته أن يُظهر اهتمامه بما يتعلق بالنساء وحقوقهن، وأن يظهر تفهمه لمشاعرهن وأن يحرص على إكرامهن، خاصة في مجتمع لا بد لنا أن نعترف أنه من أضيع المجتمعات لحقوق النساء، وإذا لم يحمل صاحب الحق ومريد الخير هم هذا= حمله عنه أهل الباطل ليجعلوه طريقًا للفساد.

نعم. لا يعيب هذا الرجل بل هو من واجباته الشرعية، وكون بعض أهل الفساد يدخل في هذ الباب بما لا يرضي الله، ويدخله أكثرهم برغبة في استمالة من يميل معه من النساء فيما يغضب الله قل او كثر= هذا لا ينبغي أن يحول بين الإنسان وبين تحمل مسؤوليته تجاه هذا الأمر.

يقول شيخ الإسلام: ((فالمؤمن يعرف المعروف وينكر المنكر ، ولا يمنعه من ذلك موافقة بعض المنافقين له  ظاهرًا في الأمر بذلك المعروف، والنهي عن ذلك المنكر، ولا مخالفة بعض علماء المؤمنين)).

 ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: استوصوا بالنساء خيرًا.

الفكرة كلها إن هذا الاهتمام بحقوق المرأة، والتفهم لمشاعرها لا يكون بالهوى وبما يظنه الإنسان خيرًا، وإنما يكون وفق حدود ما أنزل الله، وإن محاولة الإكرام هذه تكون لأهله ومحارمه، وأهل قرباه؛ فإن من ضيعهم فإنه لسواهم أضيع،  ثم بعدها يكون ذلك مع كل امرأة في موضع حاجة بحسب ما يبيحه الشرع لك من التعامل مع امراة لا تحل لك.

لدينا حديث عظيم لا ينتبه له الناس؛ لأنهم يوردون آخره ولا يتدبرون فيه.
عن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، وكان معه غلام له أسود يقال له أنجشة، يحدو، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ويحك يا أنجشة رويدك بالقوارير».
الحداء جائز كما ذكرت من قبل وهو غناء خفيف اللحن جدًا فيه تحزين، والمقصود به أصالة هو الإبل فهو ترويض لها، وفعل أنجشة فعل مباح لا حرج فيه، الآن ما الذي نهاه عنه رسول الله؟
هل المحل هنا محل خوف فتنة؟
لا، لا مجال لهذا هنا أصلا، وإلا لكان حداء الرجل تسمعه المرأة حرامًا.
القضية كلها: أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد الرفق بعاطفة المرأة حتى مما يثير تحزينها كما هو أثر الحداء عليها.

يبهرك التوازن العظيم في الشريعة الذي تراه هنا، حرص على المرأة حتى مما يُحزن نفسها من حداء الإبل.

وفي المقابل تخيل معي النساء حديثات العهد بالإسلام الشريفات في أقوامهن العفيفات التي واحدة منهن يقول لها النبي في البيعة يطلب منهن العهد ألا يزنين فتقول واحدة منهن: أو تزني الحرة؟!

بعد هذا كله وبعد انتهاء مجلس البيعة أردن المصافحة فإذا برسول الله أطهر الناس وأشرفهم يقول للحرائر الشريفات: إني لا أصافح النساء.
تخيل ثقل هذا على نفس امرأة حديثة العهد بالإسلام، أين رقة النبي وحسن خلقه ووصيته بالنساء ومراعاته لمشاعرهن حتى من تحزين حداء الإبل؟!

من فهم توازن الشريعة= سيعلم أن غاية الوصية بالمرأة هي في الحديث الثاني بقدر ما هي في الحديث الأول سواء بسواء، فكلاهما حرص عليها ورفق بها.

فليس الحرص على النساء وجعل حمايتهن جزء من رسالتك إلا معلمًا شريفًا من معالم رجولتك.

وأول ما ينبغي أن يشمله هذا هو محارمك وأهل بيتك والأقربين.

ولا يكون هذا بما تشتهي نفسك أو بتحريف الشرع، بل للشرع ميزانه في هذا لابد من فهمه قبل العجلة إلى تناول هذه الأمور بالميل والهوى والاسترضاء المضيع للشريعة، فحفظ الخلق مرتبط بحفظ الشريعة والحق.

مشاركة

مقتطفات أخرى

إن الركيزة الأساسية لدين الإسلام هي: العمل الصالح.

على الرغم من بساطة صياغة هذه الجملة، إلا أن الغفلة عن حقيقتها ولوازمها وآثارها= هي السلوك الأكثر والأوسع انتشارًا.

العقائد والمعارف والأفكار والرحلات المضنية للبحث عن المعنى، كلها كلها لا ينبغي أن تتخطى كونها نقطة الانطلاق، والبيان التوضيحي المختصر للمهمة الأساسية: العمل الصالح. 

وإذا طغت العقائد والمعارف والأفكار على الإنسان وتركته قد اضمحل عمله، وإذا أهلك الإنسان أيامه في البحث عن المعنى قد عرت يده من صالحة تنفعه، وتقوده للمعنى من غير كد منه ولا سعي، وإذا شغله وسواس التسبيب والتعليل والحفر والنبش، فخمدت روحه فلم تتحرك جوارحه بطاعة ربه= أتى هذا الإنسان يوم القيامة أتعس الناس، فلا هو بالذي قد أدرك لذة الغافلين، ولا بالذي قد أصاب نعيم الذاكرين.

اقرأ المزيد

صحابة رسول الله كانوا عربًا قبل أن يكونوا صحابة مؤمنين صالحين، ثم صقل الإيمان عروبتهم، ولا شيء أقرب لجوهر الرجولة من عروبة الصحراء القاسية قد صقلتها نداوة الإيمان الذي أوحى به الله على سيد الرجال والأنبياء محمد بن عبد الله.

أعطانا الإسلام هدية عظمى بأن جعل معدن هذه الرسالة الخاتمة عربيًا، ثم أعطانا هدية عظيمة أخرى بأن أعطانا سير الرعيل الأول لتكون ميثاقًا للرجولة، وورثنا عن العرب موروثًا رجوليًا رائعًا احتوته كتب الأدب ولا يضره أن احتاج لشيء من فك الاشتباك بين رجولة العرب وخشونة الأعراب.

ثم جئنا نحن فتلونا هذا كله هذًا كهذ الشعر، ثم تركناه وراءنا، وذهبنا نربي أبناءنا على قواعد التهذيب المدرسي، حيث يكون معيار أدب الرجل هو نفس معيار أدب الفتاة، وجعلنا قواعد التهذيب المدرسي ميثاقًا للرجولة، فإذا ترقى الرجل فدخل في التدين صقل قواعد التهذيب المدرسي بتدين انتقائي فيه من النسك الأعجمي والتصوف المسيحي أكثر مما فيه من هذا الدين العربي الفحل.

وإذا أردنا أن نكسر دائرة السوء هذه فلابد أن ننطلق من أساس أولي وهو أن تربية الذكر على قواعد التهذيب المجتمعي التي حفظناها عن أهلنا وعن معلمينا وتلوناها حكمًا مأثورة من الغلاف الخلفي للكراسات في الثمانينات= هي ببساطة عملية قتل منتظم للرجولة.
ربع إيدك.
اقعد مؤدب.
لو حد ضربك قل للمس.
ما تعملش دوشة.
ما تكسرش حاجة.
مش عاوز مشاكل.
حرص سلامة أمان هدوء سلامة حرص هدوء أمان هدوء أمان سلامة حرص.

وطائفة أخرى استمدوا قواعد الرجولة من تقليد اجتماعي فاسد، فمعالم الرجولة يربونها عن طريق أن يجرب الولد رجولته بالعدوان على أخته، أو بقتل طفولته وتحميله ما لا يحتمل.

ولا يمكن للذكر أن يكون رجلًا عن طريق هذه القواعد التي تؤسس للبلطجة، أو تلك التي تكبت جموحه وتعتبر عدوانيته شذوذًا، فبقدر استسلامه لهذا ستُقتل رجولته، وبقدر تطرفه عنه ستنبت فيه رجولة خائفة، والرجولة المجروحة المهذبة هي التي يسميها الناس أدبًا، والرجولة المجروحة الخائفة هي التي يسميها الناس البلطجة، والبلطجية، هم الوجه الآخر لعملة الأولاد المهذبين، كلاهما رجولة قتلت أو شوهت.

اقرأ المزيد