أحمد سالم

أحمد سالم

حالة النفور أو الإعراض عن التدين، وحالة التبني الفكري الجدلي للدين= كلا النمطين هما الأكثر شيوعًا في الناس..
النمط الأول: يعاني من غياب الحضور الديني في حياة صاحبه، إلا حضورًا فولكولوريًا شعبيًا، والنمط الثاني يعاني من كون الحضور الديني على مستوى نظام التشغيل يرتديه الإنسان لكنه لا ينفذ إلى ما وراء ذاك الرداء الظاهري، فالدين هنا لم يجعل صاحبه شخصًا أفضل على المستوى الإنساني.
وبالتالي فكلا النمطين قد فقد الدعم الهائل الذي يقدمه الدين للروح الإنسانية، وفقد أحد أهم الأدوات التي تساعد الإنسان على التعايش مع الحياة وآلامها.
لا أطالبك هنا بأن تكون واحدًا من أفراد جيش الإسلاميين تخوض معاركهم وتنظر للحياة بأعينهم.
ولا أطالبك هنا إن كنت منهم أن تنزع منظارك أو أن تكف صراعاتك التي تراها مقدسة.
أيًا ما كان نمط حياتك، ومهما يكن السبيل الذي اخترته للعيش، ما أطالبك به هو ألا تغفل عن شريان الحياة الذي أنعم الله به على بني آدم..
لا تغفل عن ذكر الله، والتضرع له!
لا تغفل عن قراءة القرآن، ولا تضيع صلاتك أو تقدمها باردة لا روح فيها.
انفع الناس وصل رحمك واجتنب الكبائر ما أمكنك، وإذا أويت إلى فراشك بعد يوم طويل قد أنهكك= فاستغفر الله من كل ذنب أو خطيئة أو نقص أو تقصير واسأله سبحانه أن يجعل يومك غدًا أقل ذنبًا وأقل نقصًا.
الله غني عنا، لكننا نحن من نحتاج حضور تلك الصلة به في حياتنا، حضورًا يُغذي أرواحنا ويداوي قلوبنا، وليس حضورًا نستطيل به على الخلق، وبالتأكيد ليس حضورًا نزين به ألسنتنا وقلوبنا منه فارغة.

مشاركة

مقتطفات أخرى

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه : (( أَنَّ رَجُلًا كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنِّي لَأُحِبُّ هَذَا ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْلَمْتَهُ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : أَعْلِمْهُ . قَالَ : فَلَحِقَهُ فَقَالَ : إِنِّي أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ . فَقَالَ : أَحَبَّكَ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي لَهُ)).

أخبروا الذين تحبونهم بحبكم.
وافعلوا لأجل من تحبون ما يدلهم على صدق محبتكم.

بغير هذا سيصعب علينا جميعًا أن نكمل هذه الحياة.

اقرأ المزيد

يقول شيخ الإسلام: والنبي صلى الله عليه وسلم دعا الخلق بغاية الإمكان ونقل كل شخص إلى خير مما كان عليه بحسب الإمكان .

أحد الإشكالات العظيمة في الخطاب الدعوي أنه كثيرًا ما يخاطب المجتمعات المسلمة بأعلى نقطة، بالنقطة التي لم يبلغها صحابة النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد سنين من التربية الإيمانية وتأهيل النفوس، ثم بعد ذلك أيضًا لم تبلغها كلها إلا الصفوة من أصحاب محمد.

الداعية والواعظ ويسانده الفقيه للأسف: يأتون إلى الشاب يكاد لا يصلي، والمرأة قد لا تعرف عن دينها إلا قصصًا لعصر العين وإنزال الدمع= فإذا الخطاب الدعوي يريد أن ينقل هذا الفتى وتلك الفتاة نقلة واحدة من الظلمات إلى النور كما يقولون، فيكون الفتى مطالبًا بكسر أيامه السابقة كلها والانسلاخ منها إلى حال فيها حزمة أعمال القلوب وحزمة شعب الإيمان الظاهرة مع كمالات الظاهر من اللباس والكلام وصورة الوجه، فيطالب الفتى بأن يخوض معركة مع هواه وأخرى مع مجتمعه لينسلخ من حال إلى حال في أيام معدودات، وتطالب الفتاة بخوض معركة النقاب، وكسر هوى نفسها في النمص والزينة ودوائر الأصدقاء ونوع عملها وعلاقاتها ونمط اجتماعاتها، وكل ذلك لا بد أن يكون معًا وإلا كان هذا نقصُا في الاستقامة، وعلامة على ضعف الاستجابة لله وللرسول، ومن يقبل الانتقال لتلك النقطة العليا في تلك الأيام المعدودة (الداعية مستعجل يريد أن ينجز مهمته لينقل رجلًا آخر من الظلمة للنور)= جعلوه كالصحابة الذين أراقوا الخمر، بقطع النظر طبعا عن أنهم أراقوا الخمر استجابة لخطاب لم يأتهم إلا بعد عشرين عام من أول خطاب بالرسالة.

ماذا تكون النتيجة؟

بداية لا يستجيب لخطاب أعلى نقطة هذا إلا قلة قليلة جدًا من المجتمع المخاطب، ويبقى باقي المجتمع على حاله التي يعسر عليهم فيها جدًا أن يقفزوا هذه القفزة فيرضوا بما هم عليه.

ويفرح الداعية بهذه الصفوة المستجيبة ويعتبرها هي الطليعة المؤمنة وجيل النصر والتمكين، والصفوة النقية التي ستحمل المشاعل لتهدي من وراءها.

هذه الصفوة بعد ذلك ينجو بعضهم يصلحهم الله، ربوا أنفسهم وأصلحوا خطأ الدعوة الأولى وقللوا فسادها في نفوسهم.

ويغرق بعضهم في أمراض النقاوة والتعالي على الخلق، مع عداوة شديدة لأي خلاف فقهي أو إصلاحي يثار ليبين لهم أن بعض مفردات أعلى نقطة التي خاضوا لأجلها المعارك لم تكن بهذا اللزوم ولا هي بمنزلة الكليات المتفق عليها.

وتبقى فئة ثالثة من الطبيعي أن الانتقالة السريعة لم تكن كافية لدفعهم للاستمرار فتحدث الانتكاسة التي يتعامل معها الداعية بلسان حاله كما لو كانت ردة.

هذا الخطاب الدعوي ظاهرة شائعة إلى حد كبير، وهو أحد الأسباب المسؤولة مسؤولية تامة عن ظاهرتين أساسيتين:

الأولى: ضعف النسيج اِلإيماني المجتمعي العام؛ لأنه لم ينقل كل فرد في المجتمع إلى أحسن مما هو عليه بقدر الإمكان، وإنما اهتم بطليعة مؤمنة وترك الناس دونها على ما هم عليه، فدعوته لا تحمل إلا خيارين أن تكون معي ملتزما بقائمة الالتزامات كلها دقها وجلها كبيرها وصغيرها وإلا كنت ضعيف الاستجابة للوحي لا حاجة لأمة المصلحين فيك اللهم طبعا إلا إذا احتاجوك في غزوة صناديق أو احتاجوا إلى الاستكثار بك في مواجهة بني علمان باعتبار يعني إن الشعب متدين بطبعه.

الثانية: الإشكالات النفسية والمعرفية في هذه الفئة النقية المختارة نفسها، والتي هي نتاج طبيعي لعملية الدعوة على السخان والتي تنقل أفرادًا من الدور الأرضي للقمة الشاهقة في يومين، بينما القمة الشاهقة لا تُدرك إلا بتربية النفس والصبر على تقليل شرها ومحاصرته ومداواة نقصها ومكاثرته بالخير والإيمان.

ومن العجيب أن التدرج في البلاغ وفي الرفق بنفوس الناس ومراعاة زوال نور الخلافة يستحضر هؤلاء مفرداته إذا أرادوا أن يسوغوا لساستهم الإسلاميين كوارث ممارساتهم، لكنا إذا دعوناهم لاستحضاره في خطاب المجتمعات وإصلاحها= اكتشفنا فجأة أن الدين لا يتجزأ وأن الصفقة واحدة إما أن تقبلها وإما أن تردها.

يقول شيخ الإسلام: ((فإذا حصل من يقوم بالدين من العلماء أو الأمراء أو مجموعهما كان بيانه لما جاء به الرسول شيئا فشيئا بمنزلة بيان الرسول لما بعث به شيئا فشيئا ومعلوم أن الرسول لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به ولم تأت الشريعة جملة كما يقال: إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع. فكذلك المجدد لدينه والمحيي لسنته لا يبالغ إلا ما أمكن علمه والعمل به كما أن الداخل في الإسلام لا يمكن حين دخوله أن يلقن جميع شرائعه ويؤمر بها كلها.

وكذلك التائب من الذنوب؛ والمتعلم والمسترشد لا يمكن في أول الأمر أن يؤمر بجميع الدين ويذكر له جميع العلم فإنه لا يطيق ذلك وإذا لم يطقه لم يكن واجبا عليه في هذه الحال وإذا لم يكن واجبا لم يكن للعالم والأمير أن يوجبه جميعه ابتداء بل يعفو عن الأمر والنهي بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان كما عفا الرسول عما عفا عنه إلى وقت بيانه ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات وترك الأمر بالواجبات لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل وقد فرضنا انتفاء هذا الشرط. فتدبر هذا الأصل فإنه نافع)). 

إن الشعوب المسلمة ليست كافرة تنقلها من الظلمة التامة للنور التام، بل مسلمة معها ظلمة ونور، وعملك معها هو كعمل النبي ينقل كل فرد إلى ما هو أحسن، ويبلغ الدين شيئًا فشيئًا، ويستصلح ويكمل، ويرضى باتساع دائرة المقتصدين، ولا يفرح بقلة نادرة من السابقين في الخيرات يعومون على وجه مجتمع من الظالمين المضيعين للإيمان والدين.

اقرأ المزيد