أحمد سالم
رهق العيش له مختلف الصور، فبعض الناس يرهقه فقره، وبعض الناس يرهقه مرضه، وبعض الناس يرهقه أهله، وبعض الناس يرهقه صحبه، وبعض الناس يرهقه ظالمه، وبعض الناس يرهقه ذنبه، وبعض الناس يرهقه ندمه، وبعض الناس يرهقه عقله.
وعلى الرغم من أن الرهق ثقيل كله، إلا أن أثقله: رهق محبوس بين الضلوع يأخذ بأكظامك همًا وغمًا، والغم يُثقل اللسان كأنما هو قطعة صخر يابسة، وإذا ثقل اللسان فإنه يصبح كالسد يحجز أنفاس الروح، والرهق المحبوس إلى جوار النفس المكتوم يجمعان شرًا إلى شر، فأنت هناك منفرد معزول ولو كنت في ضجيج من الخلق، وحيد مهجور فلا يواسيك حبيب قريب، ولا ينطلق لسانك تشكو إلى السميع المجيب.
مقتطفات أخرى
وقد يكون الإنسان وقد ضاقت نفسه، وغلبه حزنه، وأغرقته كآبته= فيريد أن يخرج من ضنك الحال بمعصية تخدر مزاجه، سواء كان ذلك بعين المخدرات، أو بما هو من جنسها من لهو يقود إلى النار، وكم رأيت من رجال أشداء نفوسهم، كالجبال الرواسي قلوبهم= لم يجد الشيطان مسلكه لهم إلا في طغيان موجة الحزن هذه، في تلك اللحظة الخاطفة التي يحصل فيها انخفاض طاقة درع النفس؛ لضعف خطوط إمداد الروح بالفرح والتقدير وعزيمة الأفعال الكبيرة.
أخي: هذا صاحبك يكلمك قد أضره ما أضرك، وقد أتيتٌ إليك وقد عركتني التجربة فشاهدتُ حتى عجبتُ: كم من سفينة أغرقها خرق أصحابها لألواحها، لم تحطمها ريح، أو يكسرها موج.
معركة إنسانيتك لا يهزمك فيها حزنك، قلعة إيمانك لا ينقبها البلاء، وإنما الذي يهدم حصونك وأنت غافل= هو تلك الاستجابات الغلط لمحنة العيش ورهق التجارب.
شرع الله الحداد؛ لأننا نحتاج إلى أن ننوح على خسارتنا، نحتاج لاستقبال الحزن وإكرام ضيافته فهو سائل يضرنا نهره ولا ينفعنا صده.
كبت الحزن والألم ليس صبرًا، بل هو تجلد خادع إما يصدع النفس، وإما يكشف عن غلظة الحجاب الحاجز بين المرء ونفسه.
شرع الله العزاء فنستقبل المعزين لنا؛ لأننا نحتاج أن نتشارك آلامنا مع من نحبهم ونثق بهم، نحتاج أن نسمح للذين يحبوننا، أن يواسونا، وأن يقولوا لنا: إنهم يتفهمون خسارتنا ويتعاطفون معنا، وأنهم يألمون لألمنا.
النوح على الخسارة وتشارك مشاعر الألم نحوها= كل ذلك يحررك ويعينك على التجاوز ويسمح لك بمواصلة العيش، واستكمال الرحلة نحو ذاك المكان الذي يلتقي فيه الأحبة وتُنسي الغمسةُ فيه كل شقاء.