أحمد سالم
حين ترى الناس يدافعون دفاعًا محمومًا سواء عن أحبابهم أو عن الشخصيات التي تأثروا بها= ينصرف ذهنك مباشرة إلى أن الدافع الأساسي خلف هذا الدفاع هو حسن الظن وإرادة التثبت وتنزيه الشخص عن أن يُظلم وأن يُتهم بما ليس فيه.
وكل هذه الدوافع حقيقية بالطبع ولا تخلو منها حالة دفاع، لكن في الحقيقة هناك طبقة أخرى من الدوافع أبعد غورًا وأعمق أثرًا، ولو لم تنتبه إليها فلن تفهم كثيرًا من أحوال الناس في هذا الباب.
الدافع الأكثر عمقًا: هو أننا نعرف جيدًا أننا لا نحسن التصالح مع أخطاء من نحب، ونمثل في أنفسنا عصمتهم بلسان الحال لا المقال، نحن لا نُحسن المحبة على العيب، ولا القبول على النقص، ولا المصاحبة على الشعث؛ لأجل ذلك إذا عُرض علينا في الميزان أن نثبت الخطأ ونقبل المحبوب على خطئه ونقصه، أو أن ننزهه عن الخطأ ولو بالمكابرة للحجة والدفاع الأهوج والعصبية الخرقاء= فنحن نختار أن نستمر في هذا الدفاع الأعمى؛ لأننا لا نطيق حبيبًا يخطيء، أو شريفًا يذنب، حتى لو زعمنا ألف مرة أننا نقبل هذا، وأقررنا في الظاهر أن الناس لا يخلو أحدهم منه.
لأجل ذلك؛ لا تغتر بكثرة من حولك، ولا بالحشد الهائل الذين يظهرون لك المحبة والتقدير، لا تجحدهم حقهم واشكر صنيعهم، لكن لا تغتر بهم، فعما قليل لا يبقى لك منهم أحد، إن هي إلا انفراجة يسيرة في حجاب الستر فإذا هم جمع منقسم.
ثم يبقى لك نفر قليل من قليل، يقبلونك قد فتحوا لك قلوبًا ترجو من رحمة الله ما ترجو، ولا ترضى أن تكون عونًا للشيطان عليك، هؤلاء هم الناس، هؤلاء هم الناس.
مقتطفات أخرى
في الثانية عشرة من عمري، وفي يوم غائم شديد البرودة من شتاء 1975= صرتُ ما أنا عليه الآن.
ورغم أن هذا قد حدث منذ زمن طويل إلا أنهم مخطئون فيما يقولونه عن الماضي ونسيانه؛ فبتأملي في السنوات الست وعشرين المنصرمة أدرك أنني لم أتوقف عن اختلاس النظر إلى ذلك الزقاق المهجور طيلة هذه المدة.
– خالد حسيني، رواية: عداء الطائرة الورقية.
((لشيوع أخبار الفواحش بين المؤمنين بالصدق أو بالكذب مفسدة أخلاقية ؛ فإن مما يزع الناس عن المفاسد = تهيبهم وقوعها وتجهمهم وكراهتهم سوء سمعتها وذلك مما يصرف تفكيرهم عن تذكرها بله الإقدام عليها رويدا رويدا حتى تنسى وتنمحي صورها من النفوس، فإذا انتشر بين الأمة الحديث بوقوع شيء من الفواحش تذكرتها الخواطر وخف وقع خبرها على الأسماع فدب بذلك إلى النفوس التهاون بوقوعها وخفة وقعها على الأسماع فلا تلبث النفوس الخبيثة أن تقدم على اقترافها وبمقدار تكرر وقوعها وتكرر الحديث عنها تصير متداولة. هذا إلى ما في إشاعة الفاحشة من لحاق الأذى والضر بالناس ضرا متفاوت المقدار على تفاوت الأخبار في الصدق والكذب)). [الطاهر ابن عاشور]