((لا يُفترض بالكاتب أن يكون مسليًا فحسب)).
هذه العبارة تضمنها بيان الأكاديمية السويدية، في تقريرها الذي قدمته عقب منح جائزة نوبل في الآداب عام: (2010)، والتي مُنحت للروائي البيروفي الكبير: ماريو بارجاس يوسا، في إشارة ضمنية لمعيار مهم جدًا من معايير تقييم العمل الروائي، وهو معيار ينقل العمل الروائي إلى فضاء غير تقليدي يتعالى على سائر المألوف في تقييم الرواية.
روايتنا نشرتها المؤسسة العربية للدراسات والنشر، لكاتبها عون الخطيب والتي نسبت في عتبتها إلى كاتب مجهول على أنها تحكي أحداثًا حقيقية، وسيرة ذاتية سماها الكاتب: تعرية للنفس، وهي تعرية والله أي تعرية.
فارقت هذه الرواية المألوف الحالي في الرواية العربية من حيث إنها كُتبت بلغة تراثية الطابع، وبنية نفسية هادرة متفجرة ومستترة في الآن نفسه خلف الحكي اليومي، تأخذ بقارئها إلى حيث يجد نفسه أمام تحديات يلقى بعضها في نفسه وفي الناس من حوله مهما فر من الأولى واستترت عنه الثانية.
نجد في لغة الرواية شيوعًا للاقتباسات التراثية من الوحي وحتى مقامات الحريري مرورًا بالسعد التفتازاني والشريف الجرجاني اللذين يجعلهما طرفًا يحاوره.
اقتباسات كقوله عن زملاء عمله أنهم: ما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا خاضوا فيه= ومع هذا فهي لا تخلو من اقتباسات عن شوبنهاور وفتغنشتاين، بل وحتى عن شخصيات خيالية مثل: هانيبال ليكتر، والاقتباسات ليست دخيلة بل تم تضفيرها بعناية في لغة السرد، أو سوقها سوق الحكي اليومي كأن ذاته وثقافته جزء من يومه وحكاية أيامه.
هذه رواية في إهاب سيرة ذاتية وإن شئت فقل سيرة ذاتية في إهاب رواية، تسيطر عليها صيغة المخاطب في غالب أحوالها، هذا المخاطب الذي امتنت عليه شخصيتنا الرئيسة بأن تروي له سيرته وتقص عليه أخبار حياته.
يفارق الكاتب لغته التراثية حين يصف بطله وصفًا مفرطًا في العصرية يوشك أن يكون بلغة الحياة اليومية التي يألفها الناس، ولا يلبث أن يعود إلى العربية العريقة، خاصة حين يصف كراهيته للبشر ومقته للاجتماع بالناس، فهم في نظره: (هؤلاء المحجوبين)، مسوخ قد دفنوا رؤوسهم في هواتفهم، وهو يريد أن يحصد كل من يمشي فوق الأرض بطلقات لا تُبقي ولا تذر.
رغم ذلك فهو يستعمل جسده المنحوت أداة يخوض بها مغامرات إيروسية شهوانية جسدية جريئة مقتحمة تسير على غير هدى، الواحدة تلو الأخرى، كأنما يستنزف فيها وبها روحًا قد ملت العيش بقدر ما قد ملت الناس.
وهكذا يومًا وراء يوم يحكي الكاتب حياته اليومية مثيرة وحانقة وخانقة في الوقت نفسه، إن الجمالية في هذا السرد هي تلك الكامنة في العادي والمهمش، حيث تكمن بلاغة النص في قدرته على نقل التفاصيل اليومية المتدفقة دون حبكها في عقدة وحلها، الأمر الذي يمنح القارئ تجربة خاصة تشبه إيقاع الحياة الفعلي بعبثيته ورتابته، إلا أنها هنا واقعة في أسر تلك الشخصية المتفجرة نجدها أبعد ما تكون عن الرتابة وإيقاعها.
رواية إيقاع الهيولي تحكي سيرة رجل يتدرع بالقوة، يتتبعها بداية من قوة بدنه، إلا أنه في الحقيقة يبدو أشبه برجل مهزوم، قد مل نفسه وعالمه، وهو يتبارى مع شهواته في محاولة الفكاك من هذا الملل ولا يكاد ينال مأربه، غلبته نزعة نرجسية تفتتن بالذات لتكبت ما يعتمل داخلها من بغض لهذه الذات، وأنت إذا قرأت هذه الرواية وتتبعت أحوال الناس ورمقتهم بناظريك ستجد كثيرًا من هذه النرجسية المتدرعة يطوف بك.
وبعد..
فهذا حكي يومي متسارع متغير متقلب، من هاري بوتر وحتى إحياء علوم الدين تطوف تلك الشخصية الفوضوية النزقة المنتفخة، وتطوف بنا معها بألوان من العيش نحياها، ويحيا بها أناس من حولنا، وإن زعمنا أنا نشمئز منها وأنها أبعد ما تكون عن الناس وعنا.
مراجعة كتاب أدران الهيولي
حجم الخط:
عادي
معلومات الكتاب
عنوان الكتاب
أدران الهيولي
المؤلف
كاتب مجهول