
أحمد سالم
انصرف أبو عُبَيْد القاسم بن سلام يومًا، فمرّ بدار إسحاق المَوْصِليّ، فقالوا له: يا أبا عبيد، صاحب هذه الدّار يقول: إنّ في كتابك " غريب المصنّف " ألف حرف خطأ.
فقال: كتابٌ فيه أكثر من مائة ألف يقع فيه ألف خطأ= ليس بكثير.
ولعلّ إسحاق عنده رواية، وعندنا رواية، فلم يعلم، والروايتان صواب، ولعلّه أخطأ في حروف، وأخطأنا في حروف، فيبقى الخطأ شيئا يسيرا.
هذا النص عظيم جدًا، والتأمل فيه يُنجي من كثير من تهويلات الذين جعلوا حق النقد والتخطئة مدخلًا لإسقاط من ثبت لدى عامة الشهداء بالحق علمهم وعدالتهم وسابق فضلهم.
مقتطفات أخرى
ليس بإمكانك أن تصلح فسادًا تمكن منك، إلا إذا علمت بوجوده فيك، ومن أين أتى إليك، وكيف تمكن منك.
ومن مأثور صحابة رسول الله: إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير.
هذا الوعي هو هبة إلهية أرسلها الله إليك لتعينك على الاختيار، اختيار ألا تكون هذا الشخص الذي أنت عليه.
لا يمكنك أن تخرج من الكهف إلا إذا عبرت دهاليزه المظلمة.
لأسباب شتى يشيع في الناس نوع غريب من احتقار العناية بالحيوان.
لأغراض نفعية مصلحية لا إشكال عند الناس في العناية بحيوان يُدر لبنًا أو يُنتظر منه لحم، أما أن تُربي قطًا فهذا غير مفهوم عند كثير منهم.
ولأن أهواء الناس تحب أن تتوارى خلف الدين، فإن أعينهم تترقرق بالدمع الكاذب يقولون: بطون الفقراء أولى.
الناس أعداء ما يجهلون، ومن لم يعايش الزاد العاطفي الذي يستمده الإنسان من صحبة هذه العجماوات= أنكره وعاداه.
ومن لم يعايش الزاد الإيماني الذي يجنيه من استحضر أخبار النبي وأصحابه في رعاية الحيوان والرفق به= ظن أن شعبة إيمانية أخرى تُغني عنه، وشعب الإيمان تتكامل فما تجنيه من واحدة لا تجنيه من أخرى، وغالب من يعنون بالحيوان هم من أكثر الناس عطاء وصدقة، بالضبط كغالب من يدمنون الحج والعمرة هم أكثر صدقات من أولئك الذين يدبجون الخطب عن أن بطون الفقراء أولى.
أعلم أن بعض المعتنين بالحيوانات لا ينطلقون من نفس المنطلق الإيماني، بل وبعضهم لا ينطلقون من المنطلق العاطفي وإنما يحركهم التقليد ويتعاملون مع رعاية الحيوان تعامل الموضة والاكسسوار وقد رأيت كثيرًا منهم يلقون بحيواناتهم في الشوارع أيام كورونا لما شاع خطأ أنها تصيب بالمرض.
لكن وككثير من الممارسات الإنسانية، وظيفة المؤمن أن يضبطها بالمنطلق الإيماني وليس أن يعاديها لمجرد كراهية طبعه، فضلًا أن يغطي كراهية طبعه بتعلق كاذب بالدين.
أملك أربعة قطط، وأحبها حبًا جما وأسأل الله أن يحفظها علي، وأطعمها وأرعاها وأحمل معي طعامًا أطعم به قطط الشوارع؛ ففي كل كبد رطبة أجر.
وفي البخاري من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((قرصت نملة نبيا من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله إليه أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح الله)).
أمم تُسبح الله هذا هو الإطار الكلي الذي ينظر إليه من فقه هذا الباب، ثم يأتي بعده الأطر الجزئية التي أشرت إليها.
شعب الإيمان تتناوب، وتتكامل، والنظر فيها لا يكون إلى أي شعبة أولى في المطلق، بل النظر فيها إلى تكاملها في نفسك، وإصابتك من كل شعبة بحظ ونصيب، ثم إلى ما تجد أثره ويحركك هنا والآن، فلا تسمع لمن يزهدك في هذا، فبعض ذلك من قسوة القلب وبعضه من نفرة طبع لا اعتبار به.