أحمد سالم
ينبغي أن نهدأ، أن نكون أبطأ، أن نكون أكثر تأملًا وانتباهًا ويقظة؛ فحينها سنحسن الإصغاء إلى ذواتنا، وسنحسن الاستمتاع بعلاقاتنا، وسنبصر جمال العالم وما أبدعه الله فيه.
وسيأتي مع ذلك أيضًا، إدراكنا وبصيرتنا لقبح ما صنع الإنسان بهذا العالم، لعل ذلك هو دافعنا الخفي للعجلة والغفلة وترك الانتباه، أننا لا نحتمل القبح الذي سنراه حين نتمهل وننتبه.
هذه معضلة من الصعب حلها، ولا أعلم أن الإنسان يومًا استطاع تخليص الخير من كل شر، أظن أن هذا جزء من البلاء الذي تحملناه أمانة، أن نرى جمال الله في العالم وأن ننكر ونقاوم قبح فعال الناس فيه، على الأقل أن نجاهد كي لا نكون منهم قدر ما نطيق، والله يرحمنا ويرى منا هذه المجاهدة، فهو سبحانه جميل يحب الجمال، ويحب الذي يجاهدون القبح ويحيون الجمال.
مقتطفات أخرى
قد قطع رسول الله أبا لهب لأجل أذاه، ولم يقطعه لأجل كفره، وقد وصل رسول الله أبا طالب لأجل رحمه مع إحسانه وهو كافر.
الرحم التي تضر وتؤذي وتظلم لا يجب وصلها، ولا يقال لمن قطعها أن عليه إثم قاطع الرحم..
وقد قال رسول الله: إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من ودعه الناس أو تركه الناس اتقاء فحشه. وفي رواية: اتقاء شره
ومن اختار الوصل فقد اختار الإحسان والفضل، والوصل لا يلزم منه أن يحبهم بل قد يصلهم لحصول الثواب وهو يبغضهم على ضررهم وظلمهم، ووصله لهم زيادة في إثمهم، كأنما يطعمهم الرماد الحار على معنى ما ورد في الحديث.
قال ابن عبد البر رحمه الله :
((وأجمع العلماء على أنه لا يجوز للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث إلا أن يكون يخاف من مكالمته وصلته ما يفسد عليه دينه ، أو يولد به على نفسه مضرة في دينه أو دنياه ، فإن كان ذلك فقد رخص له في مجانبته وبعده ، ورب صرم جميل خير من مخالطة مؤذية)).
عضد الدين الإيجي.
الجرجاني.
التفتازاني.
زكريا الأنصاري.
هذه الأسماء الأربعة بينهم نوع من التقارب في الزمان، وهم أشهر أسماء علماء السنة فيما يتعلق بالعقليات، وهم الذين دارت على أسمائهم شروح وحواشي الكتب المدرسية في معظم العلوم، مع تميز للأخير من جهة ثقل اسمه في الفقه الشافعي خاصة.
يمكنك بدرجة ما أن تعتبرهم مثلًا أعلى يحلم به كل مشتغل بالتأسيس المعرفي التراثي في العلوم الإسلامية، أعني بالتحديد من الطبقة التي تعظم المتون والحفظ وتنعى على الاشتغال المعرفي التراثي المعاصر ضعف أصالته وضعف تأسيسه العقلي.
الآن أريد من العارفين بقدر هؤلاء الأربعة أن يتأملوا معي حقيقة أرجو أنه لا يسع أحد إنكارها، وهي:
أنه ليس لهؤلاء الأربعة تجديد وإبداع في العلوم الإسلامية يوازي أو يقارب ولو بصورة جزئية ما قدمه: الغزالي والرازي وابن قدامة والعز بن عبد السلام والقرافي وابن دقيق العيد وابن تيمية والذهبي والشاطبي وابن رجب والسبكي والإسنوي وابن حجر العسقلاني.
ما من واحد من هذه الأسماء التي انتخبتها عجلًا بلا طول تأمل= إلا وقدم للتراث الإسلامي وللعلوم الدينية إبداعًا أصيلًا في جهة أو أكثر، لا زالت رحى الدرس والبحث تدور حول هذا الإبداع الثري حتى الآن.
أما الأربعة الأول فباستثناء الجهود الشافعية لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري= فليس لواحد منهم أي إبداع أصيل ثري حفظه لنا التاريخ ودارت عليه رحى البحث والتفريع والنقد، وسائر ما يحفظ لهم هو المحاكمات العقلية الصورية للعبارات، وإعادة إنتاج ملخصات العلوم واستشراحها في صور متشابهة، مع إعواز شديد في إثراء البحث العلمي في نفس مسائل العلوم يصل عقد الإبداع والنظر الذي ابتدأه السلف وتبعهم الأئمة ووصله عِقد العلماء النقاد المجددين الذين سميتهم.
الذي أريد أن أخلص إليه هنا:
أن استنقاذ الدرس التراثي من بين أيدي ضعاف المشتغلين به من المؤسسات الرسمية والاتجاهات الإسلامية هو استنقاذ واجب إلا أن قدوته لا ينبغي أن تكون علماء التشقيق المنطقي الصوري هؤلاء؛ فإن لهذا التشقيق دورًا محدودًا في شحذ الأذهان يجب أن يتم تجاوزه سريعًا إلى نمط اشتغال العلماء المبدعين المجددين الذين يعيدون النظر والبحث ولا يتحرجون من وصل عقد الأئمة بالإنتاج الثري الذي يديم هذه العلوم حية متجددة.
ولا يقال هؤلاء مدخل لأولئك؛ فهذا لا يصلح مخلصًا مما أنكره هنا لسببين:
الأول: أنه ليس كل ما كتب هؤلاء يُحتاج إليه كمدخل لأولئك، وبالتالي فما يُحتاج إليه هو دون ما يريد أن يشتغل به الناس.
الثاني: أن الظاهرة التي أخشاها وأحذر منها هنا هي الوقوف عند هؤلاء، وهذا هو ما حدث بالفعل في القرون التي تلتهم، فقد عكف من بعدهم على حفظ كلامهم وإعادة إنتاجه، ولم يتخذوه مدخلًا ليرتقوا لغيره.