أحمد سالم

أحمد سالم

بغض النظر عن انتهاء السياق التاريخي للسؤال، إلا أن في الجواب فوائد لا تنقطع أهميتها في كل سياق:

يقول الشيخ ابن عثيمين في جواب عن سؤال وُجِّه له:

((أما ما جاء ضمن السؤال: هل وجود الدش يعتبر من الدياثة؟ نقول: هذا ليس من الدياثة؛ لأن الديوث هو الذي يقر الفاحشة في أهله، وهذا الذي عنده الدش لو رأى رجلاً يحوم حول بيته فضلاً عن أن يفعل الفاحشة في أهله لقاتله، فلا يمكن أن نقول: إن هذه دياثة، لكن نقول: إنه سببٌ للشر والفساد، وهذا شيء معلوم، ولذلك أرى أن من الواجب على طلبة العلم في كل مكان أن يحذروا منه، وأن يبينوا أضراره، وإذا كان يلتقط أشياء فاسدة والكل يعرف فسادها وضررها فليأتِ بمثال ولا حرج، لكن الواجب التحري في النقل والصدق؛ لأن بعض الناس -نسأل الله لنا ولهم الهداية- يضيفون أشياء لم تكن؛ من أجل المبالغة في التنفير عنه، وكأنهم على رأي من يرى من العلماء أنه لا بأس بالحديث الضعيف في مساوئ الأخلاق للتنفير منها، وهذا ليس بصحيح.
أقول: التهاون في النقل ليس بصحيح؛ لأن لدينا في مجتمعنا من يحب أن يجد ثلمة في الدعاة ينتقدها عليهم، ثم يكون في هذا نزع الثقة مما يقوله الدعاة، فإذا تحرى الإنسان ونقل أدنى شر أو أعلى شر لكان الحق معه ولم يعترض عليه أحد، أما المبالغة التي توجب انتقاد الناس للدعاة والحط عليهم فلا تنبغي؛ لأن المقصود بيان الحق وهداية الخلق، وهذا لا يكون إلا بالصدق والتجرد في النقل والبلاغ)).

[لقاء الباب المفتوح]

مشاركة

مقتطفات أخرى

الله يقول: أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين

إن المسلمين والناسَ كلهم في هذه الدنيا؛ لأنها دار بلاء، المصابُ منهم مبتلًى بالضرَّاء، والمعافى منهم مبتلًى بالرَّخاء مُمتَحَنٌ بالسرَّاء، كلاهما في اختبار، والعدلُ الرباني لا يُنظر إليه من جهةِ كفة الدنيا فحسب، بل ميزانه الدنيا والآخرة، فإذا أتيت على ربك يوم القيامة فلم تجده أعطى المحسِنَ أجرَ إحسانِه وزيادة، وعاقبَ الظالمُ المسيءَ بإساءته عذابًا مهينًا جزاءً وفاقًا= ساعَتها اسأل عن العدل الإلهي أين هو.

وقد كان فيما قدَّره اللهُ وقضاه في هذه الدنيا، أن رأينا أراذلَ الخلقِ يقتلون الأنبياء، وجُعل قتلُ نبيٍّ كريمٍ قُربانًا يتقرب به ملكٌ كافر لِبغيٍّ فاجرة.

وقد أخبرنا اللهُ في قرآنه عن ملكٍ لا يساوي فِلسين، وهو يَحفِرُ الأُخدودَ ليُلقيَ فيه المؤمنين، ولم يتصارخ خيرةُ المؤمنين هؤلاء يتسخَّطون أقدار ربهم؛ أن قد آمنا، فكيفَ يتسلَّطُ علينا من يعذبنا فيحرقنا؟!

ما يحدث ليس جديدًا أصلا، وإن الله لم يَخدِع الناسَ شيئًا، بل هو من حكى لنا أخبار الابتلاءات العظيمة التي وقعت بأوليائه، أفحسبتم أن تؤمنوا وأنتم لا تفتنون؟

على أي جوانبها تدورُ الرحى، فإنها لا تدور إلا لتُلقي برأسكَ على عتبةِ مولاك، صابرًا على البلاء، شاكرًا على النَّعماء، مستغفِرًا من الذنوب، مُطيعًا مفتقرًا ترجو رضاه والجنة.

والمؤمن يجعل بين عينيه قولَ السحرةِ لفرعونَ لَمَّا آمنوا فعذَّبهم:
﴿فَاقضِ ما أَنتَ قاضٍ إِنَّما تَقضي هذِهِ الحَياةَ الدُّنيا﴾ [طه: ٧٢]. 
وقولهم: ﴿قالوا لا ضَيرَ إِنّا إِلى رَبِّنا مُنقَلِبونَ﴾ [الشعراء: ٥٠]. 

إن ما حدث للسحرة مع فرعونَ من أظهر نصوص الوحي في فهم طبيعةِ الابتلاءِ وميزان الخير والشر، فهذه الدنيا وما يكون فيها ليست معيارًا للخير والشر، وليست مَيدانًا لتحقيق العدل الإلهي أصلا.

إن الله عز وجل يبتلي عبادَه ليرفعَ درجات الصابرين، ويزيدَ في عذابِ الظالمين، ويُمحِّص صَفَّ المؤمنين، ولِتُقامَ بهم الحُجّة على عذاب المجرم يوم القيامة، فلا يُشفِق عليه أحد، ولا يَعتذر عنه أحد، وليمتحن اللهُ بهم أمثالنا من المؤمنين: أيثبُتون أم يستزلهم الشيطان فيكفروا؟

أما المُبتَلون= فغمسة في الجنة تُنسي كل شقاءٍ كأن لم يكن، يَخلُقهم الله خلقًا آخر، هو ربهم وملكُهم، لولاه ما كانوا.

وهو سبحانه ذَكر لنا في مُحكم التنزيل خبرَ المؤمنين يُلقَون في أُخدود النار، ثم بيَّن النبيُّ ﷺ من ذلك موقفًا عظيمًا فيقول ﷺ: "جاءت امرأةٌ ومعها صبيٌّ لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام يا أمّ اصبري، فإنك على الحق".

إن طائفةَ المؤمنين الذين أعدَّ اللهُ لهم جناتِ النَّعيم= يعلمون أن الدنيا وشرَّها كله يسير في مقابل جنةِ الخلد ونعيمٍ لا يَفنى، ونظرةٍ إلى وجههِ الكريم لا يَبقى في النَّفس بعدها شيءٌ غيرَ النعيمِ تذكره.

{إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى}، من وعى هذه الحقيقة= نجَّاهُ اللهُ من مصير الذين خَسِروا أنفسَهم فصاروا يُحاسِبون الله على فعله، ويقضون عليه في خلقه.

اقرأ المزيد

لأسباب شتى يشيع في الناس نوع غريب من احتقار العناية بالحيوان.

لأغراض نفعية مصلحية لا إشكال عند الناس في العناية بحيوان يُدر لبنًا أو يُنتظر منه لحم، أما أن تُربي قطًا فهذا غير مفهوم عند كثير منهم.

ولأن أهواء الناس تحب أن تتوارى خلف الدين، فإن أعينهم تترقرق بالدمع الكاذب يقولون: بطون الفقراء أولى.

الناس أعداء ما يجهلون، ومن لم يعايش الزاد العاطفي الذي يستمده الإنسان من صحبة هذه العجماوات= أنكره وعاداه.

ومن لم يعايش الزاد الإيماني الذي يجنيه من استحضر أخبار النبي وأصحابه في رعاية الحيوان والرفق به= ظن أن شعبة إيمانية أخرى تُغني عنه، وشعب الإيمان تتكامل فما تجنيه من واحدة لا تجنيه من أخرى، وغالب من يعنون بالحيوان هم من أكثر الناس عطاء وصدقة، بالضبط كغالب من يدمنون الحج والعمرة هم أكثر صدقات من أولئك الذين يدبجون الخطب عن أن بطون الفقراء أولى.

أعلم أن بعض المعتنين بالحيوانات لا ينطلقون من نفس المنطلق الإيماني، بل وبعضهم لا ينطلقون من المنطلق العاطفي وإنما يحركهم التقليد ويتعاملون مع رعاية الحيوان تعامل الموضة والاكسسوار وقد رأيت كثيرًا منهم يلقون بحيواناتهم في الشوارع أيام كورونا لما شاع خطأ أنها تصيب بالمرض.

لكن وككثير من الممارسات الإنسانية، وظيفة المؤمن أن يضبطها بالمنطلق الإيماني وليس أن يعاديها لمجرد كراهية طبعه، فضلًا أن يغطي كراهية طبعه بتعلق كاذب بالدين.

أملك أربعة قطط، وأحبها حبًا جما وأسأل الله أن يحفظها علي، وأطعمها وأرعاها وأحمل معي طعامًا أطعم به قطط الشوارع؛ ففي كل كبد رطبة أجر.

وفي البخاري من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((قرصت نملة نبيا من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله إليه أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح الله)).

أمم تُسبح الله هذا هو الإطار الكلي الذي ينظر إليه من فقه هذا الباب، ثم يأتي بعده الأطر الجزئية التي أشرت إليها.

شعب الإيمان تتناوب، وتتكامل، والنظر فيها لا يكون إلى أي شعبة أولى في المطلق، بل النظر فيها إلى تكاملها في نفسك، وإصابتك من كل شعبة بحظ ونصيب، ثم إلى ما تجد أثره ويحركك هنا والآن، فلا تسمع لمن يزهدك في هذا، فبعض ذلك من قسوة القلب وبعضه من نفرة طبع لا اعتبار به.

اقرأ المزيد