أحمد سالم

أحمد سالم

يقول شيخ الإسلام: والنبي صلى الله عليه وسلم دعا الخلق بغاية الإمكان ونقل كل شخص إلى خير مما كان عليه بحسب الإمكان .

أحد الإشكالات العظيمة في الخطاب الدعوي أنه كثيرًا ما يخاطب المجتمعات المسلمة بأعلى نقطة، بالنقطة التي لم يبلغها صحابة النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد سنين من التربية الإيمانية وتأهيل النفوس، ثم بعد ذلك أيضًا لم تبلغها كلها إلا الصفوة من أصحاب محمد.

الداعية والواعظ ويسانده الفقيه للأسف: يأتون إلى الشاب يكاد لا يصلي، والمرأة قد لا تعرف عن دينها إلا قصصًا لعصر العين وإنزال الدمع= فإذا الخطاب الدعوي يريد أن ينقل هذا الفتى وتلك الفتاة نقلة واحدة من الظلمات إلى النور كما يقولون، فيكون الفتى مطالبًا بكسر أيامه السابقة كلها والانسلاخ منها إلى حال فيها حزمة أعمال القلوب وحزمة شعب الإيمان الظاهرة مع كمالات الظاهر من اللباس والكلام وصورة الوجه، فيطالب الفتى بأن يخوض معركة مع هواه وأخرى مع مجتمعه لينسلخ من حال إلى حال في أيام معدودات، وتطالب الفتاة بخوض معركة النقاب، وكسر هوى نفسها في النمص والزينة ودوائر الأصدقاء ونوع عملها وعلاقاتها ونمط اجتماعاتها، وكل ذلك لا بد أن يكون معًا وإلا كان هذا نقصُا في الاستقامة، وعلامة على ضعف الاستجابة لله وللرسول، ومن يقبل الانتقال لتلك النقطة العليا في تلك الأيام المعدودة (الداعية مستعجل يريد أن ينجز مهمته لينقل رجلًا آخر من الظلمة للنور)= جعلوه كالصحابة الذين أراقوا الخمر، بقطع النظر طبعا عن أنهم أراقوا الخمر استجابة لخطاب لم يأتهم إلا بعد عشرين عام من أول خطاب بالرسالة.

ماذا تكون النتيجة؟

بداية لا يستجيب لخطاب أعلى نقطة هذا إلا قلة قليلة جدًا من المجتمع المخاطب، ويبقى باقي المجتمع على حاله التي يعسر عليهم فيها جدًا أن يقفزوا هذه القفزة فيرضوا بما هم عليه.

ويفرح الداعية بهذه الصفوة المستجيبة ويعتبرها هي الطليعة المؤمنة وجيل النصر والتمكين، والصفوة النقية التي ستحمل المشاعل لتهدي من وراءها.

هذه الصفوة بعد ذلك ينجو بعضهم يصلحهم الله، ربوا أنفسهم وأصلحوا خطأ الدعوة الأولى وقللوا فسادها في نفوسهم.

ويغرق بعضهم في أمراض النقاوة والتعالي على الخلق، مع عداوة شديدة لأي خلاف فقهي أو إصلاحي يثار ليبين لهم أن بعض مفردات أعلى نقطة التي خاضوا لأجلها المعارك لم تكن بهذا اللزوم ولا هي بمنزلة الكليات المتفق عليها.

وتبقى فئة ثالثة من الطبيعي أن الانتقالة السريعة لم تكن كافية لدفعهم للاستمرار فتحدث الانتكاسة التي يتعامل معها الداعية بلسان حاله كما لو كانت ردة.

هذا الخطاب الدعوي ظاهرة شائعة إلى حد كبير، وهو أحد الأسباب المسؤولة مسؤولية تامة عن ظاهرتين أساسيتين:

الأولى: ضعف النسيج اِلإيماني المجتمعي العام؛ لأنه لم ينقل كل فرد في المجتمع إلى أحسن مما هو عليه بقدر الإمكان، وإنما اهتم بطليعة مؤمنة وترك الناس دونها على ما هم عليه، فدعوته لا تحمل إلا خيارين أن تكون معي ملتزما بقائمة الالتزامات كلها دقها وجلها كبيرها وصغيرها وإلا كنت ضعيف الاستجابة للوحي لا حاجة لأمة المصلحين فيك اللهم طبعا إلا إذا احتاجوك في غزوة صناديق أو احتاجوا إلى الاستكثار بك في مواجهة بني علمان باعتبار يعني إن الشعب متدين بطبعه.

الثانية: الإشكالات النفسية والمعرفية في هذه الفئة النقية المختارة نفسها، والتي هي نتاج طبيعي لعملية الدعوة على السخان والتي تنقل أفرادًا من الدور الأرضي للقمة الشاهقة في يومين، بينما القمة الشاهقة لا تُدرك إلا بتربية النفس والصبر على تقليل شرها ومحاصرته ومداواة نقصها ومكاثرته بالخير والإيمان.

ومن العجيب أن التدرج في البلاغ وفي الرفق بنفوس الناس ومراعاة زوال نور الخلافة يستحضر هؤلاء مفرداته إذا أرادوا أن يسوغوا لساستهم الإسلاميين كوارث ممارساتهم، لكنا إذا دعوناهم لاستحضاره في خطاب المجتمعات وإصلاحها= اكتشفنا فجأة أن الدين لا يتجزأ وأن الصفقة واحدة إما أن تقبلها وإما أن تردها.

يقول شيخ الإسلام: ((فإذا حصل من يقوم بالدين من العلماء أو الأمراء أو مجموعهما كان بيانه لما جاء به الرسول شيئا فشيئا بمنزلة بيان الرسول لما بعث به شيئا فشيئا ومعلوم أن الرسول لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به ولم تأت الشريعة جملة كما يقال: إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع. فكذلك المجدد لدينه والمحيي لسنته لا يبالغ إلا ما أمكن علمه والعمل به كما أن الداخل في الإسلام لا يمكن حين دخوله أن يلقن جميع شرائعه ويؤمر بها كلها.

وكذلك التائب من الذنوب؛ والمتعلم والمسترشد لا يمكن في أول الأمر أن يؤمر بجميع الدين ويذكر له جميع العلم فإنه لا يطيق ذلك وإذا لم يطقه لم يكن واجبا عليه في هذه الحال وإذا لم يكن واجبا لم يكن للعالم والأمير أن يوجبه جميعه ابتداء بل يعفو عن الأمر والنهي بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان كما عفا الرسول عما عفا عنه إلى وقت بيانه ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات وترك الأمر بالواجبات لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل وقد فرضنا انتفاء هذا الشرط. فتدبر هذا الأصل فإنه نافع)). 

إن الشعوب المسلمة ليست كافرة تنقلها من الظلمة التامة للنور التام، بل مسلمة معها ظلمة ونور، وعملك معها هو كعمل النبي ينقل كل فرد إلى ما هو أحسن، ويبلغ الدين شيئًا فشيئًا، ويستصلح ويكمل، ويرضى باتساع دائرة المقتصدين، ولا يفرح بقلة نادرة من السابقين في الخيرات يعومون على وجه مجتمع من الظالمين المضيعين للإيمان والدين.

مشاركة

مقتطفات أخرى

- والحسين -رضي الله عنه ولعن من قتله ورضي بقتله- قُتل يومَ عاشوراء عامَ واحدٍ وستين.

- وأمَّا من قتل الحسين أو أعان على قتله أو رضِيَ بذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يَقبَل الله منه صرفًا ولا عدلا.

شيخ الإسلام ابن تيمية.

اقرأ المزيد

الأم تفتح درج الثلاجة ذات الباب الصدئ وتلقي نظرة :
-لا توجد طماطم یا عفاف .. اذهبي إلى السوق وهاتي لنا كيلو ..
توترت عفاف لأنها لم تعتد شراء أشياء.. لكنها كبرت ومن الواضح أن مسؤولية السوق سوف تنتقل إليها بالتدريج ..
الآن تتلقى التعليمات: لا بد من أن تسألي أكثر من بائع عن ثمن الكيلو.. لا تشتري من أول السوق بل توغلي بالداخل قليلاً لأن الأسعار أرخص.. لا تأخذي الكلام من فم البائع فلابد من الفصال..
سوف يسألك إن كانت الطماطم للطهي أم للسلطة.. اكذبي وقولي إنها للسلطة وإلا خدعك وأعطاك كل الطماطم التالفة عنده بدعوی أنها تنضج أسرع.. لتكن حمراء خالية من الثقوب والتشوهات..
اعرفي السعر جيداً...
هكذا غادرت عفاف الشقة وهي مفعمة بالمسؤولية والأسرار، وفي يدها الحقيبة المصنوعة من الليف المجدول، وهي تدل على مسؤولية عظيمة...
عفاف الصغيرة كانت تجوب السوق بحثاً عن طماطم بسعر أرخص ..
كانت تتلقى الدعوات من الجانبين، بينما هي تحاول الابتعاد عن برك الوحل وعن الكلاب الضالة، وتحرص على ألا تدهمها الدراجات ..
كانت هناك عربة كشري، وقد وقف البائع يقلب الكشري في أطباق معدنية صغيرة، مصراً على أن يقرع حافة الطبق بقوة بالملعقة.. يتحرك بسرعة فائقة ليوحي بالانهماك والاحتراف ، بينما وقف بعض الآكلين يلتهمون الكشري بسرعة لا لزوم لها..
بدت لها الرائحة شهية فعلاً .. لكنها كانت تدرك المسؤولية على عاتقها وأنه ليس بوسعها أن تتباطأ.. أمها تنتظر ..
كان هناك ذلك الرجل الغليظ البدين المشعر يرتدي جلبابا متسخاً، ويقف خلف طاولة عليها أشكال وأحجام من الطماطم.. لاحظت أن لديه عيناً تالفة، وأن هناك جرحاً تحت عينه اليسرى. هناك كشك من خلفه ومظلة عملاقة مثبتة بالحبال وكلب يغفو في الظل.. باختصار:
كل لوازم بيع الطماطم.
- تعالي خذي طماطم يا شاطرة.
لم تكن تريد الشراء من هنا بالذات، وكادت تبتعد لكنه قال باصرار:
- تعالي .. أنا أعرف ما تريدين .
حاولت الابتعاد، لكنه خرج من وراء الطاولة وأمسك بالحقيبة ذات الليف المجدول.. يبدو أن نظرة الباحثين عن طماطم مميزة ويبدو أنها مرسومة على وجهها.. في مكان ما من العالم أمة من المتلهفين على الطماطم.. وكلهم ينظرون ذات النظرة.
- هل تريدينها للطهي أم للسلطة؟
- للسلطة .
- طيب .
وحمل الحقيبة ودار حول الطاولة ليتجه إلى الكشك الخشبي :
- تعالي لتأخذي ماتریدین.
متوجسة اتجهت إلى حيث طلب منها وهي تشعر بأن هناك شيئاً خطأ .. عصام رأى المشهد حيث وقف على بعد أمتار، وقد قدر أن شيئاً شنيعاً يحدث ، لكن خياله لم يبلغ هذه الدرجة، كما أنه لم يعرف ما يفعله بالضبط ..
كان الكشك مظلماً قذراً، وثمة قطة راقدة تنظر إليها في شك..
قبل أن تخرج كان هو قد سد الكشك بجسده الضخم.. لم تفهم إلا أنه قبلها في شفتيها بنهم حتى أوشك أن يعضهما، وشمت رائحة أنفاسه الكريهة ولعابه.
ثم شعرت بتلك اليد الغليظة تمتد إلى صدرها الذي ما زال مسطحاً کالرخام وتعبث هنا وهناك.
استغرق هذا التعذيب نصف دقيقة، لكنها شعرت بأن عمراً کاملاً قد مر عليها هناك، وتساءلت إن كان هذا سينتهي أصلاً أم أنه مستمر إلى الأبد.. فتحت فمها لتصرخ..
هنا شعرت بذات اليد تجذبها خارج الكشك.. التقت عيناها بعصام للحظة فرأته ينظر إليها بقلق لا يقل عن قلقها..
اليد تقوم بتعبئة الطماطم في كفة الميزان كأن شيئاً لم يكن :
- کیلو یا شاطرة؟
ثم الطماطم توضع في كيس بلاستيكي. لم يطلب منها ثمناً كأنه نال أجره فعلاً. وبعد دقيقة كانت تبتعد مترنحة كأنها خارجة من حانة.. رأسها يدور ووعيها ليس على ما يرام.. لا تستوعب ما حدث.. ولاتعي أين هي بعد لحظات استجمعت الرؤی. عادت الصور تحمل معنی وعادت الأصوات تقول شيئاً ما.
فطنت إلى أنها تعرضت لاستغلال بشع.. لم تكن تفهم هذه الأمور، وبالتأكيد لم يكن الجنس ضمن مفردات عالمها.. لكنها فطنت إلى أنها اُستخدمت كشيء، وأن التجربة كانت مقرفة جداً..
صحيح أن الرجل قبلها وتحسس جسدها فقط، لكن هذا مقرف بما فيه الكفاية. وصمة.. عار.. يمكنها فهم هذا بالطريقة التي تفهمها طفلة في سنها. لا شك أن أنامله ستبقى ظاهرة على جلدها إلى الأبد...
مسحت آثار اللعاب عن شفتيها وخديها بكمها، وشعرت بأنها ترغب في القيء ..
اتجهت إلى جدار وراحت تبصق وتبصق وتبصق. فلما انتهت كانت قد تعلمت شيئاً عن نفسها: هي لا تترك حقها أبداً ولا تتنازل..
لقد عبث بها ذلك الحلوف لكنها تعرف كيف تنتقم..
ألقت بالطماطم على الأرض.. ثم عادت بخطوات ثابتة إلى الكشك الذي نصبت الطاولة أمامه.. وقفت من بعید تراقب الرجل وهو يزن الطماطم للزبائن ويبدو لطيفاً جداً.. تعرف هذا السلوك جيداً.. كانت زوجة خالها تشتمها وتزدريها فإذا ظهر خالها استحالت إلى ألطف كائن في الوجود. كان منهمكاً.. ينادي بضاعته في فخر، ويكوم أوراق المال في يده..
ثم إنه بدأ ينقل الطماطم من قفص كبير إلى قفص أصغر.. لهذا اضطر إلى أن يجلس القرفصاء على الأرض ويحني و رأسه..
في ثبات اتجهت عفاف إلى الميزان..
مدت يدها لتتناول سنجة ثقيلة لا بد أنها كانت تزن كيلو جراماً.. حملتها في ثبات واتجهت لتقف خلف الرجل وهو منهمك.
إما الآن وإما أن تضيع الفرصة للأبد ولسوف يفتك بك.
حملت السنجة بكلتا يديها ثم هوت بها على مؤخرة رأسه الخالية من الشعر... لا شك أنها ضربة غير قاتلة ولم تؤذه أو تحدث جرحاً ، لكنها بالتأكيد آلمته جداً.. وبالتأكيد ستكون هناك « بطحة » بارزة ترافقه عدة أيام.
صرخ.. وقبل أن ينظر إلى الخلف كانت تركض كالهر الصغير متوارية وسط الزحام.
سمعت صخباً وسمعت من يسبها بأنها ابنة الزانية، لكنها كانت تعرف أنهم لن يجدوها.. دعك من أن أحداً لا يعرفها هنا.
كانت تركض منتشية جداً، راضية عن نفسها، مع الكثير من التوتر..
لهذا كان قلبها الصغير يخفق كطبل، موشكاً على التوقف.
لم تكن لتخبر أباها أو أمها، لأنها كانت ستتلقى اللوم في كل الظروف.. «أنت المخطئة لأنك فعلت كذا وكذا ولم تفعلى كذا وكذا»..
لم تكن قد كونت خبرات عميقة عن الحياة، لكنها كانت تعرف أنها مخطئة في كل الظروف.. كان الانتقام مشكلتها هي وحدها.
وعندما خرجت من السوق أخيراً اتجهت إلى بائعة الطماطم الجالسة على قمة الشارع.. البائعة التي أنذرتها أمها من الشراء منها لأنها غالباً تبيع بسعر باهظ .
ابتاعت كيلو جراماً من الطماطم ثم ركضت مسرعة نحو البيت.
تُرى هل تركت أنامله وشفتاه أثراً عليها؟ هل ترى أمها ذلك؟ هل تراه في عينيها؟ ما تعرفه هو أنها لن تعود إلى هذه السوق أبداً بعد اليوم.
كان عصام يرتجف انفعالاً.. وقف أمام الجدار يحاول أن يقرأ الكلمة. السنجة.. هل كانت هذه هي لفظة « السنجة » تلك التي كتبتها على الجدار؟ هل ما زال المشهد القاسي يدميها حتى لحظة انتحارها؟ بل هو سبب انتحارها ؟ لن يعرف أبداً ...

عفاف الصغيرة - رواية السنجة
د. أحمد خالد توفيق

اقرأ المزيد