أحمد سالم

أحمد سالم

ومن أعظم ما يعين على الصبر أن تَعجل إلى التدبر في موضع اللطف؛ فإنك لتجد فيه من الرفق والرحمة والخير المعجل والمؤجل ما يكون برداً وسلاماً.
ومن بديع ما يشيع على ألسنة العامة قولهم: قدَّر ولَطَف.
ونفعني الله زمنًا بقول الشيخ الشعراوي رحمه الله: إذا ابتليت فانظر إلى الذي أبقاه الله لك لا إلى الذي أخذه الله منك.
ومن نفيس الحكم العطائية: من ظن انفكاك لطفه عن قدره = فذلك لقصور نظره.
وترك التبصر بهذا فوق أنه يفسخ عزيمة الصبر= فإنه يضيع عبودية أخرى وهي عبودية شكر الله على هذا اللطف وتلك الرحمة.
وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون.

مشاركة

مقتطفات أخرى

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ((ليس كل إنعام كرامة ولا كل امتحان عقوبة)).
نعم. ليس كل امتحان أو ابتلاء يكون عقوبة على ذنب، والإسراف في تقريع الناس في الكوارث والمحن بأن ذلك من ذنوبهم فوق أنه قول على الله بغير علم= ففيه من فقد التراحم والتعاطف والدعم والتعزية والمواساة ما يكشف عن الجهل أو قسوة القلب أو كليهما.
تخيل أن رجلًا مات ولده فذهبت وقمت عند أذنيه فقلت له: هذا البلاء بسبب ذنوبك!
هذا في الحقيقة هو واقع كثير من الناس الذين يضعون الحق في غير موضعه وهم مع وضعهم إياه في غير موضعه قد خلطوه بالباطل أيضًا، فلم يُراعوا المقامات، ولا ب(ماذا) يخاطبون (من).
إنا لله وإنا إليه راجعون، أعان الله المبتلين من إخواننا المسلمين في هذه المحنة الكبرى التي يمرون بها، وثبتهم وألهمهم الصبر وكشف عنهم الضر، وإن من أضر الضراء تكلم أناس بغير علم قد تسلطوا على إخوانهم بالأذى، ولم يهدهم الله إلى الطيب من القول.
الخطاب العام في المحن والأزمات الكبرى يكون بتعزية المبتلين وبمواساتهم وليس بتقريعهم أو القضاء العام عليهم مع اختلاف مراتبهم أنهم أصحاب ذنوب كان هذا البلاء بالذات عقابًا لهم؛ فهذا لا سلطان لأحد يعلمه به، ومسارعة النفوس إليه مع اتساع مجال التعزية والمواساة والتراحم والتعاطف؛ يكاد يكشف عن طوية نفس لا تعرف للرحمة لسانًا.

اقرأ المزيد

ابتلي بنو إسرائيل بلاء عظيمًا في أنفسهم وأهليهم، وحكى الله عن فرعون وأهله قولهم:  {وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون} .

ثم ذكر الله وعظ نبي الله موسى لبني إسرائيل: {قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين،  قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا، قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون}.

فلما وفاهم الله وعده وقال: {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون}.

فكيف كان عملهم بعد النجاة؟

{واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين}.

وهذا النموذج متكرر حد السأم، لا في تاريخ بني إسرائيل فحسب بل في تاريخ الإنسان عمومًا، لا هو يوفي الضراء حقها من الصبر ولا هو يوفي السراء حقها من الشكر، ويوهم نفسه والناس أنه لو مكن لفعل وفعل، ثم يمكنه الله فيكون شر آخذ وأبأس شاكر.

اقرأ المزيد