أحمد سالم
الامتحان الإلهي لآدم عليه السلام هو نموذج عملي لطبيعة الحياة الابتلائية وطبيعة البلاء المبني على حرية الاختيار بين الخير والشر.
وقصة آدم عليه السلام هي نموذج مصغر لطبيعة الخلق والاستخلاف الإلهي للإنسان.
فاختياره وتعليمه الأسماء وإسجاد الملائكة له= أصل في كرامة الإنسان وشرفه واصطفاء الله له.
ومعصية إبليس أصل في أن الله يختار من يريد ويصطفي من يشاء ليس للمخلوق حق على الله فيمن يصطفي ومن يفضل، وأن باب الكبر أن ترى نفسك ترفعها على غيرك من الخلق.
وإنظار إبليس أصل في أن الشر مقدور قدره الله وأنه خير في المآل وإن لم يبد كذلك في الحال، فالشر عنصر دافع يميز الله به الخبيث من الطيب تمييزًا تقوم به الحجة على الناس.
ومعصية آدم وحواء أصل في حرية الاختيار وأن الله كان يعلم بأن مآل آدم إلى المعصية ونزول الأرض لكن ذاك العلم ليس هو الذي حمل آدم على المعصية، وإنما حمله عليها اختياره، وتلك المعصية أيضًا أصل في الضعف والغفلة الإنسانية، وكيف تأصل فيها حب العاجلة واشتهاء الإنسان لما يهواه لا ما ينفعه.
وإنزال آدم للأرض أصل في العقوبات والابتلاءات الدنيوية وأن الله قد يبتلي الأقل إثمًا كآدم ويُنظر الأظلم الأبعد كإبليس، فليست الدنيا دار جزاء من كل وجه.
وتوبة آدم أصل في أن شرف الإنسانية لم تُحصله من جهة أنها لا تُذنب وإنما من جهة سعيها الدائم للتوبة والاغتسال من حوبة الذنوب، وأصل أيضا في أن الله يرفعك بالصبر والتوبة فيكون البلاء خيرًا لك في المآل.
وجريمة ابن آدم أصل في أن العدوان مركوز في الإنسان، والحسد نقيصة مشتركة بينه وبين إبليس، وأن بقاء البأس بين الإخوة من بني آدم إلى قيام الساعة؛ سنة إلهية يميز الله بها الصالح من الطالح.
وفي سعي ابن آدم لمواراة سوأة أخيه إشارة للتعقيد الذي سوى الله عليه الخلق الإنساني فهو كل مركب من الخير والشر والرحمة والنقمة.
اللهم ولا تحرمنا صحبة أبينا ونبينا في جنة الخلد، واجعله أسوة لنا في القيام بعد السقوط وأعذنا من سقوط لا قيامة بعده.
مقتطفات أخرى
هناك نقد غربي لهيستريا العلاج النفسي والعقاقير النفسية والتمركز حول الذات وتحويل العلاج النفسي لما يشبه الوحي الذي يجيب عن أسئلة الحياة.
استيراد هذا النقد من مجتمع متخم، وتسليطه على الواقع العربي غلط عجيب.
فالمجتمع العربي يعاني من عقدة الخوف من الطب النفسي، ويعاني من تدني مستويات الصحة النفسية، ومن جهل عام بخارطة الاضطرابات النفسية والعقلية وتأثيراتها الحقيقية.
والمجتمع العربي يعاني وبشدة من هدر الذات لصالح أنظمة غاشمة وتركيبات مجتمعية تدار بالأعراف الفاسدة مع فقدان ثقة واضح في المؤسسات الدينية، فالتمركز حول الذات إن وجد فهو في الحقيقة محاولة لاستنقاذ الذات من تحت الانقاض، فنعم التمركز هو.
النقد الغربي بعض نواحيه مفيد الآن لكن معظمه أجنبي تمامًا عن الاحتياجات العربية النفسية، وأعظم استفادة من هذا النقد هي توليد خطاب موجه للأطباء والمعالجين، يُرشد ممارساتهم ويسعى لإرشادهم لخارطة تقيهم الألغام المزروعة في حقل علم النفس والطب النفسي الغربيين.
أما توجيه هذا الخطاب للأفراد فهو أشبه باستعمال أدوية التخمة مع مريض الهزال.
من تمام نعمة الله على عباده المؤمنين أن ينزل بهم الشدة والضر وما يلجئهم إلى توحيده فيدعونه مخلصين له الدين ويرجونه لا يرجون أحدا سواه، وتتعلق قلوبهم به لا بغيره ، فيحصل لهم من التوكل عليه والإنابة إليه، وحلاوة الإيمان وذوق طعمه، والبراءة من الشرك ما هو أعظم نعمة عليهم من زوال المرض والخوف، أو الجدب، أو حصول اليسر وزوال العسر في المعيشة؛، فإن ذلك (أي حصول اليسر والفرج) لذات بدنية ونعم دنيوية قد يحصل للكافر منها أعظم مما يحصل للمؤمن، وأما ما يحصل لأهل التوحيد المخلصين لله الدين= فأعظم من أن يعبر عن كنهه مقال، أو يستحضر تفصيله بال، ولكل مؤمن من ذلك نصيب بقدر إيمانه.
ولهذا قال بعض السلف: يا ابن آدم لقد بورك لك في حاجة أكثرت فيها من قرب باب سيدك.
وقال بعض الشيوخ: أنه ليكون لي إلى الله حاجة فأدعوه فيفتح لي من لذيذ معرفته وحلاوة مناجاته ما لا أحب معه أن يعجل قضاء حاجتي خشية أن تنصرف نفسي عن ذلك.
لأن النفس لا تريد إلا حظها فإذا قضي انصرفت، وفي بعض الإسرائيليات، يقول الله: يا ابن آدم البلاء يجمع بيني وبينك، والعافية تجمع بينك وبين نفسك.
ابن تيمية.