أحمد سالم
في واحدة من حلقات أحد برامج المواهب الأمريكية، صعدت على المسرح مطربة نحيلة مقصوصة الشعر، غنت أغنية من تأليفها بعنوان: لا بأس، أنت بخير.
استغرب المحكمون من وجودها هنا، ومن الأغنية؛ نظرًا لكونها وقتها كانت مريضة بعدة سرطانات مميتة، وتوفيت بالفعل بعد هذه الحلقة بسنوات قليلة.
أجابت عن تعجبهم بجملة جميلة: لا بد أن يعرف العالم أني أكثر من الأشياء السيئة التي تحصل لي.
الإنسان أكبر من مجموع آلامه، أكبر من محنه، لا ينبغي أن يكون تعريفه هو أنه مريض أو أنه متألم أو أنه يعاني، هذه كلها تجارب تمر به، لكنه يمر بها وبغيرها ويستجيب للجميع استجابة تليق به.
تعجب الكثيرون من صورة أهل غزة على شاطيء البحر بعد يوم واحد من انحسار غير كامل للعدوان.
هي نفس الفكرة، أنا أنسان أتألم وفي الوقت نفسه لدي القدرة على أن ألتقط البهجة من وسط الألم؛ لأن الله أبدع خلقًا باهى به ملائكته ولا يُنتظر من هذا الخلق أقل من هذا.
مقتطفات أخرى
لا تستطيع أية علاقة إنسانية أن تكون طعامًا يغني عن غيره من الأطعمة، ولا تقدر علاقة منها على القيام بدور علاقة أخرى، ولا على إشباع الاحتياج الذي خلق الله هذه العلاقة لإشباعه.
يعطيك الأب ما لا يعطيه الزوج، ويعطيك الزوج ما لا يعطيه الأب، الأم تعطي ما لا تغني عنه الزوجة، والزوجة تعطي ما لا تشبعه الأم، والولد يعطي أبويه ما لا يعطيانه لبعضهما، والصديق يعطي صديقه ما لا يعطيه الأخ، والأخ يعطي ما لا يعطيه الأب، والمعلم يعطيك ما لا يعطيه الأب والجار يعطيك ما لا يعطيه الصديق.
كالعناصر الغذائية تحتاج النفس إلى هذا التنوع العلاقاتي وتكتمل به وبتوازنه كمًا وكيفًا، وتتناوب هذه العلاقات وتتفاوت نسب الاحتياج منها باختلاف أحوال الإنسان طفولة وشبابًا واكتهالًا وشيخوخة وصحة ومرضًا، قد تتقاطع هذه العلاقات وتختلط أدوارها بدرجة مقبولة، وقد يصل التقاطع واختلاط الأدوار لدرجة مرضية تنبع من نقص النفس ونهمتها للناس كمريض الاستسقاء ينهل ولا يرتوي؛ والداء فيه لا في علاقة ترويه.
وكلما نضجت النفس واقتربت من السواء= استطاعت أن تأخذ زادها من تلك العلاقات بالقدر المضبوط كمًا وكيفًا، فهي نفس راسخة الجذر تنعم بالهواء والضوء وتأخذ من القطر ما يرويها ولا يغرقها ويفسد تربتها.
وهي نفس لا تفقد أبدًا وجهتها نحو السماء، ومهما ضعفت وانحرفت= تقدر أن تسترجع قلبها إن هوت به علاقة من تلك العلاقات في ذلك القعر الذي يمكن أن يقطع الحبل الذي يصلها بالزاد الأكمل والأتم والأغنى والأنفع، ذلك الزاد الذي يصل قلبها بالرب الذي خلقها.
وكل احتياج فاتك أن تشبعه لفقد أو فوات في العلاقة التي دورها أن تشبعه= لا تطلب إشباعه من علاقة غيرها لها دورها المختلف؛ فذلك يحرمك الثانية ولا يعوضك الأولى، تقبل أنك فقدت الأولى، واستمتع بالثانية في محلها وبالتقاطع المحدود بين دورها ودور المفقودة، وابك على ألم الفقد بقدر ما يشفي النفس ثم قف وواصل؛ فإن قوام الحياة النقص والفوات والألم، وليس كل ما يؤلمك يضرك، ولا كل ما يسرك ينفعك.
وإن من أعظم مداخل الشيطان على قلوب المؤمنين أن يُسخطهم أقدار ربهم، وإن أكثر العجز والشر يكون من شكوى الأقدار، وسؤال الله عما يفعل.
وأكثر تعلق الناس بتفسير فعل الله فساد، وإنما الذي يكون في ميزانك يوم القيامة هو استجابتك للفعل وتلقيك له تلقي العبد يبرأ من حوله وقوته، ويصبر في الضراء ويشكر في السراء ويستغفر الله إذا أحسن أو أساء.
لا تخض لُجة الأقدار؛ فإن الله ملأ كتابه بابتلاءات وعذابات ومقاتل الأنبياء والصالحين؛ ليخبرنا أن الدنيا لم تكن ولن تكون جنة ودارًا للمكافأة.