أحمد سالم
بسم الله والحمد لله..
تنبيه مهم: كل ذكر لليهودية والمسيحية هنا فالمراد بهما يهودية ومسيحية الكتاب المقدس الذي بين أيدي الناس اليوم.
لدينا تقابل وصراع قديم بين نمطين للتدين، أهل الشريعة في مقابل أهل الحقيقة.
النمط الأول يعطي فوقية وأولية للتشريعات والقوانين والأمر والنهي والطاعات والمحرمات مع تغلييه وتركيزه وإشاعته للنهي عن المحرمات وتعليقه لتدينه بمدى التحريمات التي ينتهي عنها، وهذا النمط هو الغالب على اليهودية، والغالب على بعض الفقهاء وهو الذي ورثته بعض التيارات الإسلامية، ويسميه شيخ الإسلام ابن تيمية: الموسوية، كناية عن اليهودية وما حملته من الآصار والأغلال، ويذكره كثيرًا عندما ينكر تشديدات الفقهاء.
والنمط الثاني: كره هذا الإطار القانوني الذي يسميه العهد الجديد: الناموس، ووجه تركيزه لبناء الصلة الروحية القلبية، وتطهير الباطن مع الاكتفاء بالإطار العام لمنهيات الوصايا العشر دون الإغراق في تفاصيل المنهيات تاركًا للصلة الروحية أن تعمل عملها في توجيه بوصلة الطاعة، مع إنكار واضح على الفريسيين وهم الاتجاه اليهودي المشدد على التحريمات والقوانين، وسماهم عيسى: الجيل الفاسد، غلاظ القلوب، وحكى عن نبوءة اشعيا قوله عن اليهود: هذا الشعب يكرمني بشفتيه وقلبه بعيد عني.
وهذا الاتجاه هو الذي ورثته طوائف من الصوفية، ويشيع في المتخففين من الالتزام بالتكاليف من العامة ونحوهم (ربك رب قلوب).
وهذا الاتجاه يسميه شيخ الإسلام: العيسوية، ويذكره كثيرًا في نقده للتصوف.
وهذا التقابل برجع في الحقيقة للطبع الإنساني، الذي يتوزع فيه الناس بين قابلية الغلو وقابلية الرقة والتساهل.
والاكتمال والاعتدال الذي يمثله الإسلام الدين الحق الذي ينبغي أن يطلبه الناس متجاوزين تلك الانحرافات التاريخية هو الجمع بين الإيمان الذي فيه تجاوز للانحرافات العقدية، والإسلام الذي فيه الالتزام بالتشريعات مع تعظيم جانب التزام الطاعات، والإحسان الذي فيه النفاذ إلى عمق التشريعات وغايتها أي تطهير الباطن وعقد الصلة بالله التي تجعل صلاتك تحقق نظامها الخارجي ثم تتجاوزه بعد ذلك إلى الغاية الكبرى وهي الصلة بالله كأنما أنت حين تقوم تصلي: ترى الله.
وطلب هذا الاكتمال والاعتدال رحلة طويلة يخوضها الإنسان مدة عمره، فيصيب تارة ويخطيء أخرى، لكنه متى وعى أن التشريعات هي الشكل الإجرائي الذي أراده الله وسيلة لمقام الإحسان= فقد امتلك خارطة الطريق وبوصلة الاتجاه.
مقتطفات أخرى
بعض من تعامله في هذه الدنيا، يقبل عليك ببسمته، وحلو عبارته، لكنك لو كنت فطِنًا سترى في عينه البغض وسوء الكيد.
يعطيك من طرف اللسان حلاوة ... ويروغ منك كما يروغ الثعلب
قابل الظاهر بالظاهر، واسأل الله أن يكفيك شره، ويرد كيده، وإياك أن تنخدع، لستَ بالخب ولا الخبُ يخدعك.
وإذا سألتَ كيف أميزهم؟
أقول لك صادقًا:
ستميزهم، لكن بعد أن تعطيك الحياة نصيبك من خبرة الخوازيق.
تقوم فكرة القانون (حقي وحقك) والسلطات المتصلة به على وجوب وجود معيار أعلى من المتنازعين يتحاكم إليه المتنازعون للفصل بين أهوائهم وما يمكن أن تقودهم إليه تلك الأهواء من صراعات.
معيار يملك الإجراءات اللازمة لسلامة وسلاسة عملية الحكم والتحاكم والقوة الضرورية للإنفاذ والإلزام، ويصدر هذا كله في الوقت نفسه عن منظومة قيمية رشيدة.
لا يمكن الاتكاء على التراحم لإدارة النزاع بين الناس، فالإنسان ظلوم جهول شحيح ويُحسن أن يُلبس كل آفاته تلك لبوس الحق والتقوى.
ولا يمكن في الوقت نفسه الاستغناء عن التراحم والاعتماد على منظومة القانون والحقوق والسلطة فحسب؛ لأن أية معركة يخوضها القانون تجاه الشر الإنساني سيكون القانون هو الخاسر فيها.
التشريعات الإلهية القضائية (حقي وحقك) للحياة عمومًا وللحياة الأسرية خصوصًا لا تخرج عن نفس هذا النسق، التشريعات فاصلة عند النزاع، لأن أي تنازع لابد له من نقطة حمراء للفصل؛ فالناس لن يستطيعوا دائما الوصول لحلول وسط تفاوضية تراحمية.
القانون هو الضابط عند عدم التراحم، لكن عيش الناس إن لم يقم إلا بالقانون وقبضة السلطة= فهذا معناه فقدانهم للتراحم وسيطرة نزعة الشر الإنساني على ضمائرهم بدلًا من خيرية الإيمان وسماحة الأخذ والبذل.
فإذا كان الزواج عبارة عن نزاعات متتالية تحتاج دائمًا للنقاط التعاقدية القانونية الفاصلة ولا يستطيع الزوجان بالقدر الكافي للمودة أن يتحلوا بمرونة التنازلات المتبادلة تارة والحلول الوسط تارة أخرى، والحب وعشان خاطر من نحب تارات كتير= فهذا زواج غير صحي، ولا يختلف عن أية حلبة من حلبات المصارعة الحرة التي شعارها: ليؤذي بعضنا بعضًا ولكن في حدود القوانين.