أحمد سالم
لما أعطى رسولُ الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ما أعطى من تلك العطايا في قريش وقبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم، حتى كَثُرت فيهم القالة، حتى قال قائلهم: لقي رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قومه.
فدخل عليه سعد بن عبادة، فقال: يا رسول الله، إن هذا الحي قد وجدوا عليك في أنفسِهم؛ لِمَا صنعت في هذا الفَيْء الذي أصبت، قسمت في قومك وأعطيت عطايا عظامًا في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار شيءٌ.
قال: ((فأين أنت من ذلك يا سعد؟)).
قال: يا رسول الله، ما أنا إلاَّ امرؤ من قومي، وما أنا؟
قال: ((فاجمع لي قومَك في هذه الحظيرة)).
قال: فخرج سعد، فجمع الناس في تلك الحظيرة، قال: فجاء رجالٌ من المهاجرين، فتركهم فدخلوا، وجاء آخرون فرَدَّهم، فلما اجتمعوا أتاه سعد فقال: قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار.
قال: فأتاهم رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فحمد الله، وأثنى عليه بالذي هو له أهل، ثُمَّ قال: ((يا معشر الأنصار، ما مقالةٌ بلغتني عنكم، وجِدَة وجدتموها في أنفسكم؟ ألَم آتِكم ضُلاَّلاً فهداكم الله، وعالةً فأغناكم الله، وأعداءً فألَّف اللهُ بين قلوبكم؟)).
قالوا: بل الله ورسولُه أَمَنُّ وأفضل.
قال: ((ألاَ تُجيبونني يا معشر الأنصار؟)).
قالوا: وبماذا نُجيبك يا رسول الله، ولله ولرسوله المنُّ والفضل؟!
قال: ((أمَا والله، لو شئتم لقلتم، فلَصَدَقْتُم وصُدِّقْتُم، أتيتنا مُكذَّبًا فصدقناك، ومَخذولاً فنصرناك، وطريدًا فآويناك، وعائلاً فأغنيناك، أوجدتم في أنفسكم - يا معشر الأنصار - في لُعاعةٍ من الدنيا تألَّفْت بها قومًا؛ ليُسْلِموا، ووَكَلْتُكم إلى إسلامِكم، أفلا ترضَوْن - يا معشر الأنصار - أَنْ يَذْهَبَ الناس بالشاةِ والبعير، وترجعون برسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في رحالكم، فوالذي نفس محمد بيده، لولا الهجرةُ لكنتُ امرأً من الأنصار، ولو سلك الناسُ شِعبًا، وسَلَكَتِ الأنصار شعبًا، لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار)).
قال: فبكى القومُ حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قسمًا وحظًّا.
ثم انصرف رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وتفرقنا.
مقتطفات أخرى
في الترمذي من حديث أنس قال: كانَ أخَوانِ على عَهْدِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فَكانَ أحدُهُما يأتي النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ والآخرُ يحترِفُ، فشَكَى المحترفُ أخاهُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ فقالَ له رسول الله: ((لعلَّكَ ترزقُ بِهِ)).
وأنت إن قارنت بين هذا الحديث وبين الخبر المكذوب الشائع في الناس، والذي فيه جعل العامل خير من العابد= علمت كيف انحطت منزلة الآخرة في نفوس الناس.
ولا شك أن لطلب الآخرة فقه فليس الحديث دعوة لترك التكسب، وإنما المراد هنا هو نفس مراد رسول الله: أن يعظم طلب الآخرة في نفوس العباد.
كتب تولستوي في ((الاعتراف)): ((لا يمكننا أن نتوقف عن معرفة ما نعرفه)).
لا يُمكنك أن تتعامل مع الذي تعلمته كأنما هو مرحلة وانقضت، تأخذها وتبني عليها وتكف عن معاودتها ومراجعتها وتعلمها.
الواجب هو أن تظل تتعلمها بعد أن تعلمتها، وتظل تتعرف عليها بعد أن عرفتها.
وهذا أحد أجل وأعظم أسرار التكرار في القرآن، يعيدك الله مرة بعد مرة إلى ما أخبرك به من قبل؛ لأنك ستغفل عنه، وبوابة الغفلة هي أنك تظن أنك لا تحتاج إلى تعلم ما تعلمته وإلى معرفة ما عرفته، ولا نجاة من هذا إلا بأن تعلم أن أصل العلم هو معاودة العلم، ومعاودة العلم زيادة فيه وعليه.
إن النفس تشغف بالجديد وتمل منه بعد حين وتتركه لتطلب غيره، وذاك كله يحجزها عن التعلم الحقيقي، وهو تعلم ما قد تعلمته، فهذا هو طريق الفقه وهو الطريق الأساسي للنجاة من رسوخ الباطل تتوهمه حقًا، فلا نجاة من هذا بعد توفيق الله سوى معاودة النظر مرة بعد مرة، وجل فساد الناس في العلم والعمل إنما هو ترك معاودة ما يظنون أنهم تعلموه وانتهوا منه ولا حاجة بهم لمراجعته.