أحمد سالم
أقوى أسلحة الأفكار الفاسدة يكمن فينا نحن، في كسلنا، وانشغالنا، وهذا الكسل وذاك الانشغال يقودان ببساطة إلى: تسرعنا في الأحكام وعجلتنا إلى الاستنتاجات، وتواكلنا على رجل نحبه، أو مذهب نقلده، وعجزنا عن الرجوع على ما قلدناه بالنقد والتشكيك واختبار الصحة..
ليس الإشكال في أننا نفعل هذا في مجالات لها متخصصوها، وإنما الإشكال الحقيقي أن هذه هي طريقتنا في العيش، ومنهجنا في المعرفة والنظر، ولذلك تجد الساكن في هذا البيت الخرب يتعدى على المختصين أنفسهم، فليس تقليده تقليد من يعرفة حرمة التخصص وإنما هو تقليدُ كسول يريد أن يُسرع إلى أداة تسمح له بأن يعتدي على غيره مدعيًا المعرفة والقدرة على التخطئة.
والأمم التي تنتشر فيها تلك البلادة والعطالة والتنفخ بالمعرفة الوثوقية= هي عين الأمم التي كان الأنبياء يبعثون فيها فتكفر تلك الأمم بهم، فالكفر ليس نابعًا من الجهل بالحق بقدر ما هو نابع من رسوخ الهوى وتعظيم المألوف والإعراض عن بذل الجهد في اختبار القناعات وعرضها على البينات..
مقتطفات أخرى
ولا يضر المرء أن يرى إحسان نفسه، بل باب الشر كله أن يحقر الإنسان نفسه فلا يرى خيرها ولا يرجوه، وإنما العيب أن تخدع نفسك متشبعًا بما لم تعطاه، أو أن يحملك خير نفسك على نكران شرها وترك مداواته.
ومن سرته حسنته وساءته سيئته فهو المؤمن حقًا.
ابتلي بنو إسرائيل بلاء عظيمًا في أنفسهم وأهليهم، وحكى الله عن فرعون وأهله قولهم: {وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون} .
ثم ذكر الله وعظ نبي الله موسى لبني إسرائيل: {قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا، قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون}.
فلما وفاهم الله وعده وقال: {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون}.
فكيف كان عملهم بعد النجاة؟
{واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين}.
وهذا النموذج متكرر حد السأم، لا في تاريخ بني إسرائيل فحسب بل في تاريخ الإنسان عمومًا، لا هو يوفي الضراء حقها من الصبر ولا هو يوفي السراء حقها من الشكر، ويوهم نفسه والناس أنه لو مكن لفعل وفعل، ثم يمكنه الله فيكون شر آخذ وأبأس شاكر.