أحمد سالم

أحمد سالم

إن المسلمين متفقون على ما علموه بالاضطرار من دين الإسلام، أن العبد لا يجوز له أن يعبد ولا يدعو ولا يستغيث ولا يتوكل إلا على الله، وأن من عبد ملكًا مقربًا أو نبيًا مرسلًا أو دعاه أو استغاث به= فهو مشرك... هذا من أصول الإسلام، فإذا كان القاضي (يعني قاضي مالكية مصر، ابن مخلوف) لا يفرق بين دين الإسلام ودين النصارى الذين يدعون المسيح وأمه= فكيف أصنع أنا؟!

قلت: كان هذا جواب شيخ الإسلام على محضر شنع به ابن مخلوف على الشيخ لدى حاكم مصر؛ لأنه يقول: إن الاستغاثة بالنبي كفر، وأنت ترى أن قاضي مصر وغيرها، والمالكي وغيره، والفقيه وغيره= كل أولئك إن أحدثوا تلك الضلالة فهم عند الشيخ خالفوا إجماع المسلمين، لا يفرقون بين دين الإسلام وبين دين يستغيث أهله بنبيهم وأمه يعبدونهم من دون الله.

احفظ هذا= فإن الكفر عظيم، وضلالات من غلبتهم زنادقة التتر وجهلة المماليك ومبتدعة الرافضة على دينهم وعباداتهم ليست هي الدين الذي يعرفه أهل العلم حقًا.

ونظرًا لما شرحته من قبل من ركوب المذاهب الفقهية لأجل الترويج للبدع الكلامية= فقد استعمل القائلون بتلك البدع المضلة تلك الطريقة مع شيخ الإسلام رحمه الله، فكانوا يحتشدون بأزيائهم الفقهية المذهبية من أجل السعاية لدى الأمراء؛ كي يُنكلوا بالشيخ.

لأجل ذلك كان من مسالك الشيخ العبقرية في الحجاج أنه يذكر من أهل كل مذهب فقهي من هم على عقيدة السلف، ثم يحاكم الجميع إلى ذلك المعتقد جاعلًا إياه مظلة متعالية فوق المذهبية الفقهية، وحقلًا معرفيًا ليس للمذاهب فيه قول من حيث كونها مذاهب في الفقه.

فبعد اللجج والمخاصمة، أراد أحد الحكام أن ينقذ الشيخ من بين أيدي متعصبة الفقهاء دون أن يغضبهم هو أيضًا فيحكي الشيخ هذا قائلًا: ((ولما رأى هذا الحاكم العدل: ممالأتهم وتعصبهم ورأى قلة العارف الناصر وخافهم قال: أنت صنفت اعتقاد الإمام أحمد فتقول هذا اعتقاد أحمد يعني والرجل يصنف على مذهبه فلا يعترض عليه فإن هذا مذهب متبوع وغرضه بذلك قطع مخاصمة الخصوم)).

فانظر لرد الشيخ الواعي بأجنبية الفقهاء ومذاهبهم وخلافها عن ذاك الباب كله: ((فقلت: ما جمعت إلا عقيدة السلف الصالح جميعهم ليس للإمام أحمد اختصاص بهذا، والإمام أحمد إنما هو مبلغ العلم الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ولو قال أحمد من تلقاء نفسه ما لم يجئ به الرسول لم نقبله وهذه عقيدة محمد)).

فاحفظ هذه أيضًا فإنها تكشف عنك تلبيس المتعصبة ومن جمع مع التعصب جهله ودخوله فيما لا يحسن.

مشاركة

مقتطفات أخرى

ومما أتلمسه كلما سمعته= أدعية العامة؛ فإن فيها من صدق الإبانة، وحرارة الطلب ما لا تجده في تكلف متفاصحي المحاريب.

ولا شيء أقرب إلى ربك من انصراف الكلام من قلبك إلى لسانك لا تتكلف فصاحته ولا إعرابه، ففي صدق البيان وحراراة اللجوء ما يغنيك عن تشقيق الألفاظ.

أطلق لسانك اليوم بالدعاء، بمأثور الوحي وكلام رسول الله، وبما تفيض به نفسك ويلمس خضوع قلبك وإن لم يكن مزينًا ومحبرًا ومتفاصحًا.

ومن بديع كلام شيخ الإسلام رحمه الله: إن أصل الدعاء من القلب، واللسان تابع للقلب، ومن جعل همته في الدعاء تقويم لسانه أضعف توجه قلبه.

اقرأ المزيد

الناس يقومون بتعريف الشخص بما يوافق أسوأ فعله، أكبر خطاياه يتحول إلى هويته التي لا فكاك له منها.

‏لكن الذي ينبغي أن تعرفه وتوقن به هو: أن الإنسان يبقى أفضل من أسوأ أفعاله؛ لأنه يملك دائمًا أن يفعل غير هذا الفعل؛ إنها القدرة الهائلة للنوع الإنساني على الاختيار، ومن علم الله صدق إرادته كتب له أكبر من قدرته.

‏وهذه الحقيقة الراسخة هي التي تجعل الإنسان قادرًا على العودة إلى مسار الانتصار الذي يباهي الله به ملائكته: هذا عبدي عز بعد ذلة ، وتاب بعد زلة، وأناب بعد فرار، وغسل ذنبه بالاستغفار.

اقرأ المزيد