أحمد سالم
في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: ((إن أُحُدا جبل يحبنا ونحبه)).
من صور التواصل والمحبة الخفية، أن تحسن رعاية الجمادات التي تتعامل معها عمومًا والتي هي جزء اعتيادي من حياتك خصوصًا؛ فإن من الغيب الذي ينبغي أن تؤمن به (في المسألة خلاف والكلام مبني على ما أختاره) أن هذه الجمادات خلق الله فيها نوعًا من الإدراك، وهي مدركة لك ولما تعاملها به، وهي تقبل منك أن تستعملها في الوظيفة التي سخر الله تلك الجمادات لأدائها مهما كانت هذه الوظيفة، لكن يمكنك مع ذلك كلها أن تكون جميلًا لطيفًا، تحسن في ذلك ما استطعت، ونعم هناك نوع من تلك الجمادات يعينك في حياتك وتتماس معه كثيرًا، فيمكنك أن تحبه، وأن تتوقع مع ذلك أنه يحبك.
وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم: ((الصحيح المختار أن معناه أن أحدا يحبنا حقيقة، جعل الله فيه تمييزا يحب به، كما قال: سبحانه وتعالى: { وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ }(البقرة: من الآية74) .
مقتطفات أخرى
كانت لدى عرب الجاهلية قيم أخلاقية حسنة كالكرم ونجدة الملهوف ونصرة الضعيف، وكانت بلا شك من بقايا الوحي والنبوة القديمة، لكنها خُلطت بمنظور اجتماعي جعل غرض تلك الأخلاق هو الرفعة بين الناس واتقاء ذمهم؛ لأجل ذلك أتى الإسلام بمنظوره الأخلاقي ليبطل هذا الغرض ويجعله رياء ويجعله شعبة من الشرك؛ إذ إن بناء الأخلاق على التقاليد الاجتماعية وما يمدحه الناس أو يذمونه؛ كفيل بحرف تلك الأخلاق عن وجهتها وكفيل بأن تُخلط بكثير من الباطل.
ومن فهم هذا أيقن بأن الخير الأخلاقي متى خلط بالتقاليد الاجتماعية وثقافة العيب الشعبية= فإنه ينحرف عن مقصود الله ويكون وبالًا قليل الخير.
فيما يقع للناس من بلاء، أو ما يقع عليهم من ظلم الناس لهم= قد يرضى الناس بقدر الله، والرضا مستحب، وضابط الرضا: ألا تطلب زوال ما بك ولا تحب زواله، وإن كنت تتألم منه.
وقد لا يقدر الناس على الرضا فيكفيهم الصبر وهو واجب، وضابط الصبر ألا تسخط أقدار الله، بقلبك أو لسانك أو جوارحك، بل ترى أن الله عدل معك ولم يظلمك، وتطلب فضله وأجره، ولا يعيبك أن تألم لما وقع بك ولا أن تطلب وتحب زواله.
ويباح لك أن تنتصر من ظالمك بالعدل.
ثم قد يقع من الناس حينها كف للسان واعتصام بالله من غير إظهار للألم أو دعاء بزوال البلاء، مع كونهم يحبونه، وقد يقع منهم التشكي من هذا الذي وقع بهم.
وضابط الشكوى: كل ما فيه إظهار الألم لما وقع بك أو محبة لزواله.
وضابط الشكوى المستحبة: أن تكون لله وهي مرتبة عبودية تنفع الصابرين وتعينهم.
وضابط الشكوى المباحة: أن تكون لمن ترجو منه من الناس مصلحة راجحة أو نفعًا فيه علاج لما وقع بك أو إعانة على الصبر مأمونة المفسدة الراجحة.
وضابط الشكوى المذمومة: أن تكون للناس ليس منها فائدة من رجاء نفع يعالج ما وقع بك أو يعينك على الصبر عليه.
وليس من الشكوى: الذكر العارض الذي ليس فيه تألم، ولا يمنع هذا إلا إن كان معه كشف لستر أو إعانة على الوقيعة المحرمة في عرض من تشتكي منه.
قال شيخ الإسلام: والله تعالى ذكر في القرآن الهجر الجميل والصفح الجميل والصبر الجميل.
وقد قيل: إن الهجر الجميل، وهو هجر بلا أذى، والصفح الجميل صفح بلا معاتبه، والصبر الجميل صبر بغير شكوى إلى المخلوق، ولهذا قرئ على أحمد بن حنبل في مرضه أن طاوسا كان يكره انين المريض ويقول: إنه شكوى، فما أنَّ أحمد حتى مات.