أحمد سالم
العلاقة التي نقيمها مع الأطفال سواء كان هذا الطفل لنا أو لقريب أو صديق؛ هذه العلاقة من أروع العلاقات وأعمقها أثرًا في النفس بشرط أن تكون واعيًا لهذا الأثر الذي تُحدثه العلاقة في نفسك.
الطفل يعطيك قبولًا وحبًا وتقديرًا وثقة وأمانًا، وكلها أشياء لا تُشترى، وكلها من أثمن ما يمكن أن يجنيه الإنسان من العلاقات الإنسانية، ولا تجدها هكذا نقية بريئة خالصة من الزيف كما تجدها عند الأطفال.
تأمل في علاقتك بالأطفال وفي تلك المشاعر العميقة التي يهديك إياها كل طفل منهم، وخذها فاغسل بها نفسك وروحك فإن أدران الحياة كثيرة.
مقتطفات أخرى
يقول الروائي الياباني موراكامي: ((ستقطع العاصفة اللحم كآلاف الأنصال، وسينزف الناس هناك، وستنزف أنت أيضاً، ستنزفون جميعاً دماً أحمر حاراً، وستتلقف أنت هذا الدم بيديك، دمك ودم الآخرين.
ولحظة انتهاء العاصفة، لن تتذكر كيف نجوت منها، لن تتذكر كيف تدبرت أمرك لتنجو، و لن تدرك هل انتهت العاصفة أم لا.
ستكون متيقنًا من أمرٍ واحدٍ فقط: حين تخرج من العاصفة، لن تكون الشخص نفسه الذي دخلها، و لهذا السبب وحده كانت العاصفة)).
نعم. لا يُفترض بنا أبدًا أن نخرج من هذه العاصفة كما دخلناها، لا ينبغي أن يكون هذا أبدًا.
يُستمد إحساس الرضا الغالب الذي يسميه الناس السعادة من مصدرين:
ممارسة أفعال اللذة ولو لم يكن لها قيمة معنوية: الطعام، الجنس، اللهو واللعب، لذات الامتلاك والسلطة.
ممارسة أفعال الجدوى والقيمة والمعنى ولو لم تستشعر لذتها: العطاء، الممارسات الدينية الروحية، المسؤوليات الأسرية والاجتماعية.
غالبًا: لا تخلو أفعال اللذة من قيمة ولو محدودة ولا تخلو أفعال القيمة من لذة ولو محدودة، لكن العبرة بالغالب.
الاقتصار على أحد المسارين فقط لا يمكن أن يكفي الإنسان لسعادة مستدامة، بل تغمره مشاعر الألم بعد مدة تطول أو تقصر.
كلما تنوعت المصادر التي يجني منها الإنسان سعادته وجمعت بين المسارين= أمكنه أن يستديم السعادة وأن يستعين بها على مصاحبة الآلام التي لا تخلو منها الدنيا.
الإسلام لا يحارب سعادة اللذة لكن يوضح لك أن متاعها قليل وأن الآخرة أبقى وأكمل:
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ، قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ
الإسلام لا يحارب سعادة اللذة لكن يطلب الموازنة بينها وبين سعادة القيمة:
يا حنظلة: ساعة وساعة.
ويطلب أيضًا أن تُجعل اللذائذ خادمة للقيمة لا تُلهيك عنها:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ.
ويطلب منك أن تجعل اللذائذ خادمة للقيمة بدرجة متوازنة لأن أكثر منها يفسدك فتكون كالمنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى:
إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ.
الإسلام لا يحارب سعادة اللذة لأجل ذلك جعل من نعيم الآخرة سعادة اللذة فوعدنا بنعيم من الطعام والشراب والجنس.
***
((كابدت الصلاة عشرين سنة ثم تمتعت بها عشرين سنة)).
((شغوف بعملي حتى أني أكره الأجازات)).
قولان مأثوران أحدهما لرجل من السلف الصالح وآخر لرائد أعمال أمريكي، وكلاهما يمثلان نموذجًا استثنائيًا يصل له بعض الناس في بعض الممارسات والتي تمتزج فيها اللذة والقيمة ويصلان معًا لمستويات عالية جدًا، ويمكنك السعي إلى هذا وتحصيلة لكن بالصبر والأناة فإن من استعجله أفسد عيشه.
ولأجل كون هذه الرتبة هي الأعلى والأسمى= جعل الله أعظم نعيم الجنة رؤية وجهه الكريم، ولما عبر رسول الله عن هذا لم يجعل سعادة الرؤية في القيمة فحسب وأنك ترى ربك وخالقك وإنما سماها في دعائه فقال: وأسألك لذة النظر إلى وجهك.