أحمد سالم
يقول أنس بن مالك: كان رسول الله أحسن الناس خلقًا وكان يغشانا ويخالطنا، وكان ابن لأم سليم يقال له أبو عمير كان النبي صلى الله عليه وسلم ربما مازحه إذا دخل على أم سليم فدخل يوما فوجده حزينا , فقال: ما لأبي عمير حزينا؟
قالوا: يا رسول الله مات نُغيره(طائر يشبه العصفور) الذي كان يلعب به جعل النبي صلى الله عليه وسلم , يقول: يا أبا عمير ما فعل النغير؟
قلت: وسؤال رسول الله مواساة وتعزية، فإن من فقد حبيبًا يريد أن يُسأل عنه فيُخبر ويحدث؛ فحديثه عن حبيبه يعزيه ويسليه، وبالحديث يرثيه.
مقتطفات أخرى
هناك مرحلة ما في حياة الإنسان يسلك فيها منعطفًا خاطئًا يخالف قيمه، ولسبب ما يتفرع هذا المنعطف إلى شبكة من الطرق الخاطئة يتيه فيها الإنسان فلا يعود بعدها إلى الطريق المستقيم إلا من رحم، والمكون الثابت في تلك النماذج الإنسانية: هو القدرة غير النهائية للشخص على تبرير انحطاطه وسفوله، وعلى إلباس ضلاله ثوب الهدى، وجنايته لباس البراءة.
لأجل ذلك يعتبر البعض أن أعظم مشاهد مسلسل ((Breaking bad)) على الإطلاق هو مشهد أواخر الموسم الخامس حين يتخلص والتر وايت من طبقات التبرير الكثيفة التي استمر يغطي بها جرائمه عبر حلقات ومواسم المسلسل؛ ليصل للمرة الأولى لاعتراف واضح وصريح بالدوافع الحقيقة لتصرفاته، والتي ليست أبدا مصلحة عائلته أو تأمين مستقبل أولاده، وإنما وفقط هذا السبب: نفسه، أنه واجد حياته في ذلك، وأنه وجد فيما يفعله قيمة ترضي كبره وغروره، كان هذا واضحًا من قبل لمن شاهد بعناية كيف يُستفز غرور والتر وتتضخم أناه حتى كاد يفضح نفسه لمجرد أن نسب مخدره لصانع آخر أو لمجرد توهم زوجته أنه مجرد موزع حشيش بائس، لكن هذه المرة الاعتراف سيد الأدلة.
قدرة الإنسان اللامحدودة على التبرير الذي يداري به دوافعه الحقيقة، جهاز التأويل المعقد والضخم الذي يملكه كل منا؛ ويستطيع به أن يطمر شهواته ونزواته وتحكم نوازع السوء داخله في أفعاله، هذه المداراة وذلك الكتمان الذي يصل في تعقيده وتركيبه حتى يخدع به الإنسان ذاته أحيانًا.
ولا يزال الولع بفكرة التطهر بالاعتراف مسيطرًا على صانع والتر وايت وسول جودمان، فنرى في خاتمة جودمان مشهد اعتراف آخر، حتى قرب نهاية الحلقة لم تكن بوادر الاعتراف تلوح في الأفق، مشهد مايك (فلاش باك) لا يرى سول أن هناك ما يندم عليه أو يود تغييره في ماضيه على عكس مايك الذي يود محو تجربة أول رشوة أخذها في حياته لأنها هي بداية المنحدر الزلق.
مشهد والتر وايت (فلاش باك) فيه ندم يناسب والتر في مرحلة المشهد، ندم على أنه قد خُدع ونزع منه استحقاقه، أما سول فيندم على أنه انزلق في اللعب فأصاب نفسه.
ثم ينتهي كل هذا باعتراف لم يُمهد له ظاهريًا، وربما يرى البعض أنه لم يُمهد له بالكلية.
بقطع النظر عن الصفات والصور الخاصة= يملك الاعتراف بالخطأ قداسة كبيرة في معظم الأديان والثقافات.
في الوحي المحفوظ والكتب المحرفة، في أعمال الفنانين ونصوص الأدباء وأفكار الفلاسفة وحتى في السرد السينمائي= لا أكاد أحصي كيف تٌسبغ الجلالة على كل واقعة يتخلى فيها الإنسان عن قدراته التبريرية ليقف معترفًا بخطئه عاريًا من كل لباس زور اعتاد أن يٌجمل به أخطاءه.
تاريخ الإنسانية كله يمكنك أن تقرأه من زاوية هذا التقابل: ذنب إبليسي مغلف بالتبرير والمكابرة والنكران، وذنب آدمي غسله الإقرار والندم وطلب الصفح والغفران.
المكابرة الشخصية وعدم الاعتراف بالنقص والعيب مريح للإنسان، ومواجهة الذات والصدق معها والإقرار بنقصها وعيبها وقبح فعلها مؤلم جدًا، ولولا أن الإنكار مريح والصدق مؤلم= لما كان هذا هو حالنا وحال الناس.
وقد أيقنت أن من أعظم الرزق أن يرزقك الله القوة على الصدق مع نفسك، وأن يعينك على احتمال السوء الذي ستراه منها، وأن يدلك على الطريق الذي به وحده تحصل المداواة، أن ترفق بتلك النفس وترحم ضعفها وتفهم السياقات التي أدت بتلك النفس لحالها الذي تكرهه منها، ثم تسأل الله الإعانة بحوله وقوته، وتأخذ بيد نفسك، فتصيب مرة وتغلط أخرى، وتقوم مرة وتسقط أخرى، وتقطع الأمل في الناس إلا من ناصح صادق ومحب مشفق، وهم قلة لا تكاد تجد منهم أحدًا؛ فإن الناس لا يسترون عورة ولا يشكرون خيرًا إلا من رحم الله، ولو تركنا الله لمدح الناس وذمهم لهلكنا، ولكنه علمنا سبحانه أنه وحده حمده زين أهل أن تتزين به، وذمه شين أهل أن تخشاه وتفر منه، ثم إنه سبحانه لا يحاسبنا إلا حساب كريم يرحم مقام الضعفاء الذين لا يجدون إلا جهدهم.
اللهم إنك تعلم أن كلامي هذا لم أكتبه إلا ألمًا من ضعف نفسي ونقصها فارحمني وأعني.
والناس يظنون أن البلاء خير للمؤمن، وأعينهم تشير إلى حظ من الدنيا يأتيهم يسمونه العوض.
وهذا شكل آخر يُضم لأشكال متكررة من تعلق الإنسان بالعاجلة.
فالله عز وجل يثيب في الدنيا أحيانًا، ولكن هذه الإثابة نفسها هي بلاء آخر وليست هي الخير الذي في الحديث.
فبلاء المصيبة خيره في تحريكه الإنسان لعبودية الصبر، وبلاء النعمة خيره في تحريك الإنسان لعبودية الشكر.
فليس بعد البلاء حظ من الدنيا ولا عوض ترجوه حتمًا، قد يحدث هذا وتكون ساعتها نعمة تستوجب الشكر وذاك بلاء جديد، وقد لا يحدث هذا وتكون ساعتها مصيبة تستوجب الصبر وذاك بلاء جديد.
والله سبحانه يقول لنبيه: فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون.
وقضاء الله في الإنسان يدور كله حول تعريض الإنسان لفصول الامتحان التي تستفز فيه طاقة العبودية لتبلغ به مرتبة الكمال التي يباهي الله بها ملائكته ويجزي بها عبدَه الجنة.