أحمد سالم
الصداقة هي جوهر العلاقات كلها وبقدر عافية الصداقة تكون صحة العلاقة.
أبوك، أمك، أخوك، أختك، زوجك، زوجتك، ابنك، ابنتك= كل دول هما أصدقاء بدرجة ما، ولو معدل الصداقة في العلاقة منخفض العلاقة كلها بتنخفض..
وجوهر الصداقة هو الشعور بفهم متبادل للطباع والاهتمامات (فهم وليس تشارك) والشعور بالأمن فلن يُكشف ظهرك أو تُخان أو تُخدع أو تُغش من جهة هذا الصديق، وتشارك الاهتمام وانسجام الطبع يوثق الصداقة لكنها ليس شرطًا لها ولا شرطًا لعمقها فقد تقوى بدونه.
جاء رجل إلى مطيع بن إياس فقال: قد جئتك خاطباً، قال: لمن؟ قال: لمودتك، قال: قد أنكحتكها وجعلت الصداق أن لا تقبل في مقالة قائل.
ولذلك كان جوهر المودة بين الزوجين هو الاحترام وحفظ الحق، ولهذا حين قِيلَ للحسنِ بنِ عليٍّ رضي الله عنهما: «إنَّ لي بِنتًا، فمَن ترى أن أُزوِّجَها له؟» فقال: «زَوِّجْها لِمَن يَتَّقي اللهَ؛ فإن أَحَبَّها أَكْرَمَها، وإن أَبْغَضَها لَم يَظْلِمْها».
والمحبة مع الأذى هي مرض وورم يُصور نفسه شحمًا وعافية، وأعيذك بالله أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم، ولأجل ذلك كان العدو العاقل خير من الصديق المخادع الجاهل، وكان بين القاضي أبي حامد المروروذي وبين ابن نصرويه عداوة، ورغمها كان القاضي يقول عن ابن نصر: والله إني بباطنه في عداوته أوثق مني بظاهر صداقة غيره، وذاك لعقله الذي هو أقوى زاجر له عن مساءتي.
ومما ضيعه الناس من معاني الكلام، معنى النصيحة، فليست النصيحة من ناحية أصلها هي أن تأمر وتنهى، وإنما النصيحة هي أن تكون معي صافيًا لا تغشني ولا تخدعني.
والصداقة فعل إنساني عاطفي، إن توفر بيننا ما يكفي من المروءة الإنسانية والأمن العاطفي فسنوفي الصحبة حقها ولن يضرنا اختلاف أفكارنا.
وكثير من طلب الناس للاتفاق والتوافق في العلاقات منبعه فقد الأمن وخوف الخديعة، فحن نعد الوفاق ضمانة لاعتزاز المودة، والحقيقة أن الوفاق لا يضمن المودة، وأن المودة توجد رغم الخلاف، وشرطها أمر واحد: أن تكون مودة صادقة.
قال أبو محمد ابن حزم:
((محارب بن دثارأحد أئمة أهل السنة، وعمران بن حطان أحد أئمة الصفرية من الخوارج كانا صديقين مخلصين زميلين إلى الحج لم يتحارجا قطّ.
عبد الرحمن بن أبي ليلى كان يقدم علياً على عثمان، وعبد الله بن عكيم كان يقدم عثمان على علي، وكانا صديقين لم يتحارجا قط، وماتت أم عبد الرحمن فقدم للصلاة عليها ابن عكيم.
طلحة بن مصرف وزبيد اليامي صديقان متصافيان، وكان طلحة يقدم عثمان، وكان زبيد يقدم علياً، ولم يتحارجا قط.
داود بن أبي هند إمام السنة وموسى بن سيار من أئمة القدرية: كانا صديقين متصافيين خمسين سنة لم يتحارجا قط.
سليمان التَّيمي إمام أهل السنة والفضل الرقاشي إمام المعتزلة: كانا صديقين إلى أن ماتا متصافيين، وتزوج سليمان بنت الفضل وهي أم المعتمر بن سليمان.
الكميت بن زيد مضري عصبي كوفي شيعي والطرماح بن حكيم يماني عصبي شامي خارجي، وكلاهما شاعر مفلق، كانا صديقين متصافيين على عظيم تضادّهما من كل وجه .
هشام بن الحكم إمام الرافضة، وعبد الله بن زيد الفزاري إمام الإباضية، صديقان مخلصان في دكان وأحد، لم يتحارجا قط)).
مقتطفات أخرى
((لنا صديقة تدعى بيجي Peggy. قررت أن تترك عملها وأن تلزم المنزل من أجل أبنائها. إنها جميلة وذكية. وقد ضحت بدخل كبير باختيارها أن تترك عملها. كان زوجها أستاذاً في إحدى الجامعات المرموقة في الساحل الشرقي. أخبرتني مؤخراً أنها لطالما كانت تشعر بالارتباك عند حضور المناسبات الاجتماعية الخاصة بأعضاء هيئة التدريس. خاصةً حين كان البعض يسألونها ((ماذا تعملين يا عزيزتي؟)) في البداية كانت تقول في خجل ((إنني أم فحسب)). وعادةً ما كان الرد الذي تتلقاه هو ((هذا جيد)).
حتى توصلت صديقتنا بيجي لإجابة جديدة: ((أقوم بتربية إنسانين عاقلين على المبادئ السائدة للتقليد والدين كي يكونا آلتين نافعتين في تحويل النظام الاجتماعي إلى المدينة الفاضلة الأخروية التي قصدها الله منذ بداءة الخليقة!))
إن وصف بيجي لتربية الأبناء يذكرنا بأنه سواء اخترنا ملازمة المنزل مع الأبناء أو الذهاب إلى العمل خارج المنزل. فوظيفتنا الحقيقية هي تنمية أسرة سوية وسعيدة. وأن أي أمر آخر نقوم به يعد أمراً ثانوياً)).
من المفاتيح المهمة لنفخ روح الحياة في الذكر والدعاء والصلاة= أن يتصل الحبل بين كل ذلك وبين تفاصيل ما تعايشه في يومك، فلا تستغن بالدعاء العام عن الأدعية الخاصة التي تتعلق بما مررت به في هذا اليوم من حاجة أو ضرر أو ضرورة أو فاقة، ولا تستغفر من مطلق الذنوب فحسب بل اجمع مع ذلك اعتراف المذنب الضعيف بذنبه المعين يملأ استحضار الذنب بعينه قلبه على وجه يظهر فيه أثر الصدق لا جرح الجلد، ولا تشكر مطلق النعمة الإلهية فحسب بل عدد مع ذلك النعمة التي تحس أثرها في ذلك اليوم بعينه.
وعملًا بذلك فإني اليوم أشكر الله سبحانه على نعمة الذين أحببتهم وأحبوني.